الشرق قادمالهلال الخصيبعاجلمقالات

التعالي الإسرائيلي و”الانصياع” الإماراتي في التسريبات ” قاعدة أنغولا وجبهة إيران”

ـ الحلقة الثالثة والأخيرة

كتب هانى الكنيسى:

استكمالًا للمقالين السابقين اللتين تضمّنتا التسريب من تقرير رئيس وحدة عمليات جمع المعلومات في الإمارات العربية المتحدة مراسلات “أمنية” بين تل آبيب وأبوظبي- تلك هي الورقة “الأغرب” من وجهة نظرى زتتعلّق بتحميل جهات إسرائيلية عليا الإمارات “مسؤولية الخروج عن التفاهمات”، والتلميح لاتهام أجهزتها بـ”عدم الكفاءة وتسريب معلومات خاصة بترتيبات أمنية وقواعد في إفريقيا”. 

تحت اسم المذكرة “ج”، يتضمن التقرير الأمني الإماراتي تقييما ينضح بالاستياء للخطاب المؤرخ 12 أغسطس 2024م، والموجّه من النتنياهو الى الشيخ محمد بن زايد. يذكر في إحدى فقراته: “تطرق رئيس الوزراء الإسرائيلي الى موضوع معالجة المشاكل الناتجة عن التعاون المشترك وأعمالنا المشتركة في جمهورية انغولا بلغة تخلو من روح الدبلوماسية والاخلاقيات.. حيث يطلب منا ضرورة المتابعة لمعالجة كل الإشكالات التي نتجت عن الاعمال خاصة المهمات العسكرية المشتركة في انغولا”. وفي فقرة تالية، يقول: “صحيح أنه (أي النتنياهو) يتراجع في مفرداته بالرجاء بمضاعفة الجهود المبذولة في هذا الشأن، والعمل على تحقيق أقصى قدر من النجاح.. إلا أن تذكيره بضرورة الحفاظ على سرية جميع المعلومات المتعلقة، وعدم مشاركتها مع أي طرف خارجي جاء بلغة ومفردات غير لائقة، وكأننا من نقوم بتسريبها”. 

وفيما يلي ترجمة حرفية لنص الخطاب الإسرائيلي المشار إليه:

الموضوع: “المشاكل الناجمة عن تعاوننا وعملنا المشترك في أنغولا”

نود تذكيركم بالمذكرة السرية التي أُرسلت إليكم في أول أبريل، والتي تناولت ضرورة متابعتكم الشخصية لمعالجة جميع المشاكل التي نشأت عن تعاوننا وعملنا المشترك في أنغولا. ونؤكد على أهمية هذه المهمة وتأثيرها البالغك على أمننا القومي. لذا، نرجو منكم مضاعفة الجهود المبذولة في هذا الصدد، والعمل على تحقيق أقصى قدر من النجاح.ح

نود التأكيد مجدداً على ضرورة الحفاظ على سرية جميع المعلومات ذات الصلة، وعدم مشاركتها مع أي جهة خارجية. ونتطلع إلى نتائج إيجابية.

مع خالص التحيات.

توقيع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو

وفي فقرة منفصلة، يشير التقرير الإماراتي إلى أنه “تم الردّ على هذه الاتهامات، بلغة راقية بعيدة عن روح التعالي وموثقًا أن التسريب جاء من أعضاء في لجنة إسرائيلية. وتم استعراض العمل عليها في قاعدتنا المركزية الخاصة في أفريقيا بناءً على حجم النتائج غير المتوقعة التي عرضت على شاشاتنا. كما كشف عن سبب التأخر نتيجة استهلاك الوقت في تدريب الفرق وتنفيذ الأوامر”. 

ثم يستطرد كاتب التقرير: “جاء ردّنا راقيا وخاليا من أي مفردات او كلمات بالمثل حيث تم الحرص على الرد الشفاف دون النظر الى اللغة المتعالية لرئيس

الوزراء الإسرائيلي. لقد ركز الرد على اساس أن كل المشاكل سببها اللجنة الإسرائيلية والتي لها تدخلات كثيرة غير مبررة، وتم توضيح تدخلاتها التي أدت الى آثار سلبية على مستوى علاقة اللجنة الإماراتية في أنغولا، على مستويين:

تدخلات لتسريع استكمال الترتيبات اللوجستية لإنشاء القاعدة العسكرية المشتركة في غرب لوائدا.

فرض مبالغ مضاعفة لما هو مقرر ومتفق بين اللجنتين الإماراتية والإسرائيلية لإجراء تدريبات عسكرية مشتركة في مقاطعة كابيندا.

ونختتم فصول دراما “التسريب”، بما ورد في الوثائق -بإشارات غامضة- تحت اسم المذكرة “و”، والتي تضمنت هي الأخرى “تقييمًا” من الجهاز الأمني ليس فقط لفجاجة الخطاب الإسرائيلي، وإنما أيضا لوقاحة الغطرسة الإسرائيلية فيما يتعلّق بالملف الإيراني. 

إذ تتطرّق المذكرة في إحدى فقراتها إلى خطاب موجّه من القيادة الإسرائيلية إلى أبوظبي، بتاريخ 19 أكتوبر 2024 (ليس واضحًا في التسريب إن كان مصدره مكتب النتنياهو كسابقيه)، ويعلّق كاتب التقرير على محتواه بعبارة: “الحقيقة أن هذا الطلب الخالي من كل المفردات اللائقة بشأن إتاحة الأجواء الاماراتية لاستخدامها لتوجيه ضربات لإيران مؤسف للغاية “. 

ثم يتابع في فقرة أخرى، بقوله: “أما الإشارة الى قيام رئيس جهاز الشاباك بالتواصل والتنسيق بهذا الشأن دون علم قيادتنا ودون أي اتفاق وتوافق مسبق فيعد خرقا وتجاوزا لكل الأعراف”. 

ما يمكن استنباطه من بين السطور القليلة عن هذا الموضوع في التقرير الإماراتي “المسرّب”، أن إسرائيل طلبت -في خطاب رسمي غير منشور صور منه- من حليفتها “المخلصة” (الوصف ليس من عندي وإنما مذكور في ثنايا إحدى وثائق التقرير نفسه) أن تمنحها ‘كارت بلانش’ (أو شيك على بياض) لاستخدام أجوائها في تنفيذ غارات على الجارة إيران. ويبدو أن الاستخبارات الإسرائيلية افترضت “الموافقة التلقائية” من الإمارات دون الحاجة إلى “تنسيق مسبق” .. وهذا ما أغضب كاتب التقرير الأمني. مع ملاحظة أن تاريخ الرسالة المشار إليها (19أكتوبر 2024) أي قبل بضعة أيام من أكبر هجوم إسرائيلي -في ذلك العام- داخل الأراضي الإيرانية، تحت عنوان عملية “أيام الرد” (26 أكتوبر)، التي شاركت فيها أكثر من 100 طائرة مقاتلة (بما فيها F-35) ومسيرات قطعت مسافة تقارب 1600 كيلومتر عبر الأجواء “الإقليمية”. وهي العملية التي أرادت بها إسرائيل “الرد” على الهجوم الصاروخي الإيراني الكبير الذي وقع في أول أكتوبر 2024، حين أطلقت إيران 200 صاروخ باليستي باتجاه إسرائيل (رداً على اغتيال إسماعيل هنية في طهران، وحسن نصر الله في بيروت.

زر الذهاب إلى الأعلى