عاجلمقالاتنحن والغرب

ترامب وسياسة ما قبل السقوط

بقلم: سامح عسكر

بعد الضغط على المكسيك لقطع إمدادات النفط عن كوبا، ومنع النفط الفنزويلي عنها أيضًا عقب اختطاف مادورو، تتكشف ملامح سياسة أمريكية يمكن وصفها بأنها سياسة ما قبل السقوط.

ففي السينما المصرية، وقبل سقوط رئيس العصابة، نراه يلجأ إلى أقوى وأخطر أسلحته دفاعًا عن وجوده، بعدما يكون قد أمضى معظم زمن الفيلم يمارس جرائمه بدهاء وانضباط، إلى حد يدفع بعض المشاهدين – رغم طلب المؤلف كراهيته – إلى الإعجاب بذكائه وقوته.

الرسالة الضمنية في هذا النوع من الأعمال أن العصابات الخارجة على القانون والأخلاق لا يمكن أن تستمر، وأنها قبل انهيارها تقوم بتصفية حساباتها مع الجميع، حتى مع من لا يشكلون خطرًا مباشرًا عليها، فكل مختلف لا بد أن ينال جزاءه.

وفي سياق هذه الأعمال، إذا مارس أحد أفراد العصابة الخطف أو القتل بشكل منفرد، كان يُعاقَب. وأحيانًا يتحول رئيس العصابة نفسه إلى فيلسوف، يُنظّر أخلاقيًا على أتباعه، ما يزيد شعبيته داخل العصابة، ويرفع منسوب الثقة بقيادته.

ربما هذا هو المشهد الذي نعيشه اليوم مع دونالد ترامب.

رجل يقتل ويخطف رؤساء وقادة دول، ويدعم إرهابيين ومجرمين في سوريا وإسرائيل لإبادة الشعوب وقمع الأقليات، مقابل النفط والمال من جهة، وبدوافع عقائدية ودينية من جهة أخرى.

يسعى إلى عدوان عبثي على إيران، بلا أفق سياسي أو مطالب واقعية، سوى إرضاء شهوة القتل والاعتداء، والبقاء أطول فترة ممكنة في دائرة الضوء، ليتصدر اسمه عناوين الأخبار ونشرات الإعلام.

على يديه تحولت أمريكا من دولة تُقدَّم باعتبارها راعية للحريات والديمقراطية وحقوق الإنسان، إلى دولة خارجة عن القانون، وعدوة شبه معلنة لغالبية شعوب العالم.

أعاد ترامب لأمريكا صورة العصابة المنحرفة، التي لا تعرف ضميرًا أخلاقيًا ولا دبلوماسية ولا ذكاء في إدارة المصالح، وتمارس أفعالًا إجرامية تشبه ما كان يقدمه المليجي وزكي رستم في أدوار الشر قبل أن يقعا في قبضة البوليس.

الارتهان الكامل للسلاح في تحقيق المصالح لا يصنع حلفاء، بل يراكم الأعداء.

حتى من كانوا يُعرفون تاريخيًا بأصدقاء أمريكا باتوا يتمنون إضعافها وسقوطها، ويميلون تدريجيًا نحو الخصوم.

الصين، على سبيل المثال، هي أكثر دول العالم انتشاءً بسلوكيات واشنطن، لما تحققه هذه السياسات من نتائج إيجابية على صعودها كقطب دولي بديل. ولذلك لا تتدخل لإيقاف هذا العبث، بل تتمنى استمراره أطول وقت ممكن.

الحقيقة الواقعة أن هناك رفضًا شعبيًا وعالميًا آخذًا في الاتساع، قد يصل إلى درجة الإجماع، يقوم على فقدان الثقة في القيادة الأمريكية.

ووفقًا لنظرية البديل والفراغ، يتعاطف العالم تلقائيًا مع أي قوة صاعدة تقدم نفسها كبديل أخلاقي مقبول، يعيد للحياة السياسية استمراريتها، ولمنظومة العدالة بعضًا من قدسيتها.

زر الذهاب إلى الأعلى