عاجلملفات

إنذار بلا ساعة

معتز منصور – باحث سياسي 

ما يجري تداوله عن تفكير ترامب في توجيه إنذار قاس لإيران بمهلة ٢٤ ساعة، وبشروط تصل حد تفكيك ما تبقى من البرنامج النووي، وتقييد الصواريخ، وتسليم مخزون يورانيوم، وحتى إخراج قيادات من البلاد، لا يمكن قراءته كنص سياسي حرفي بقدر ما يجب تفكيكه كبنية ضغط. هنا بالضبط يقع الخطأ الشائع، التعامل مع التصريح كإنذار عسكري تقليدي، بينما هو في جوهره أداة لإعادة هندسة ميزان الخيارات، لا لإطلاق العد التنازلي للحرب.

أول ما يجب كسره هو وهم المهلة. أي إنذار حقيقي بهذا الحجم لا يمنح ٢٤ ساعة، لأن ٢٤ ساعة لا تصلح إلا للعرض الاعلامي، لا لتغيير سلوك دولة بحجم إيران. الإنذارات الحقيقية تكون مفتوحة زمنيا، مغلقة سياسيا، وتستند إلى تحالف دولي أو قرار أممي. ما يطرحه ترامب، حتى لو صدر بهذه الصيغة المتطرفة، هو ضغط نفسي استعراضي هدفه إعادة تعريف المشهد، لا إدارته ميدانيا. ترامب لا يخاطب طهران وحدها، بل يخاطب الداخل الأميركي، والحلفاء، والخصوم في آن واحد.

الخلل الثاني في القراءة السطحية هو تصور أن المطالب المطروحة قابلة للتحقق كحزمة واحدة. تفكيك البرنامج النووي، تقييد الصواريخ إلى ٢٠٠ كم، تسليم يورانيوم مخصب، وإخراج قيادات، هذه ليست مطالب تفاوض، بل شروط استسلام. الولايات المتحدة تعرف مسبقا أن إيران لن تقبلها، بل تريد أن تضع سقفا مستحيلا، لتبرير ما سيأتي بعده. هنا لا نسأل هل ستقبل إيران، بل لماذا تريد واشنطن أن تقول إنها رفضت.

البرنامج النووي الإيراني، كما هو قائم اليوم، لم يعد مجرد مشروع تقني، بل صار ركيزة سيادية. أي قيادة إيرانية توافق على تفكيكه الكامل تكتب نهاية شرعيتها الداخلية. ترامب يعرف ذلك، ولذلك لا يعرض مخرجا، بل يصعد السقف. الهدف ليس الاتفاق، بل تحميل إيران مسؤولية الفشل مسبقا، تمهيدا لنقل الصراع إلى مستوى آخر، عقوبات أشد، ضربات محدودة، أو تفويض مفتوح للحلفاء.

 

أما شرط الصواريخ، فهو أكثر فجاجة. تحديد مدى ٢٠٠ كم يعني فعليا شل العقيدة الدفاعية الإيرانية، وتحويلها إلى دولة عارية استراتيجيا. هذا الشرط لا يطرح حتى في مفاوضات ما بعد الهزيمة العسكرية. إدراجه هنا يكشف طبيعة الخطاب، خطاب إملاء لا تفاوض، واستعراض قوة لا هندسة حلول.

 

الحديث عن تسليم ٤٠٠ كج من اليورانيوم المخصب يكشف بدوره لعبة الرمزية. الرقم بحد ذاته ليس هو القضية، بل الاعتراف الضمني بأن إيران باتت تمتلك ورقة تفاوض ثقيلة. واشنطن تريد انتزاع هذه الورقة لا لمنع القنبلة فقط، بل لمنع إيران من امتلاك قدرة ابتزاز استراتيجي مستقبلي، حتى لو لم تصنع السلاح. المسألة هنا ليست نووية بحتة، بل سياسية سيادية.

الأخطر في كل ما يطرح هو بند إخراج قيادات من إيران. هذا ليس مطلبا سياسيا، بل إعلان نية لتغيير بنية الحكم، أو على الأقل تفكيك رأسه الرمزي. إدخال هذا الشرط يعني أن الصراع لم يعد حول سلوك، بل حول هوية النظام. وهنا بالضبط نفهم لماذا لا يمكن لهذا السيناريو أن يتحول إلى اتفاق، لأنه ببساطة يطلب من النظام أن يوقع على نهايته.

لكن الخطأ الأكبر في قراءة المشهد هو افتراض أن الولايات المتحدة قادرة على الذهاب إلى مواجهة شاملة. الواقع الأميركي اليوم مثقل، اقتصاديا، سياسيا، واجتماعيا. الاستنفار العسكري له كلفة، والحصار الطويل يستنزف، والداخل الأميركي ليس في مزاج حرب مفتوحة. ترامب، رغم لغته النارية، يدرك حدود القوة. لذلك يلوح أكثر مما يضرب، ويصعد خطابيا أكثر مما يحسم ميدانيا.

من زاوية إيران، الرد المتوقع ليس الانصياع ولا الانفجار. بل إدارة الوقت، امتصاص الصدمة، ورفع منسوب الغموض. إيران تجيد اللعب على حافة الهاوية، وتعرف أن أقصى ما تريده واشنطن اليوم هو التفاوض من موقع أعلى، لا الحرب. لذلك سترفض علنا، وتترك الباب مواربا عمليا، دون أن تقدم تنازلا جوهريا.

أن ما يسمى إنذارا هو في الحقيقة إعادة تموضع. واشنطن ترفع السقف لتبرير مرحلة ضغط جديدة، وإيران ترفض السقف لتثبت قدرتها على الصمود. لا حرب فورية، ولا اتفاق قريب. ما نحن أمامه هو إدارة صراع طويلة، عنوانها كلفة الوقت، لا سباق الساعات. من يقرأ المشهد كعد تنازلي، يفوته المعنى الأعمق، الصراع هنا ليس على ٢٤ ساعة، بل على من يمل اكثر نفسا للسنوات القاد

زر الذهاب إلى الأعلى