إبداعات عربيةمقالات

دولة الثورة المستمرة

معتز منصور – باحث سياسي

عند الحديث عن المرجعية الثورية الإيرانية، لا يُقصد مجرد سيطرة الدولة الإيرانية كجهاز سلطوي، ولا نفوذ نخبة حاكمة بمعناه الإداري الضيق، بل تلك المرجعية التي تشكّلت مع الثورة بوصفها حدثًا تأسيسيًا أعاد تعريف السياسة نفسها. هذه المرجعية لم تبقَ لحظة تاريخية عابرة، بل تحوّلت إلى إطار دائم لتفسير الواقع، يحدّد العلاقة بين المجتمع والدولة، وبين الداخل والخارج، وبين القوة والمعنى. بهذا المعنى، تصبح مفاهيم مثل الاستقلال والسيادة والمقاومة ورفض التبعية عناصر مكوِّنة للحسّ المشترك، لا مجرد شعارات قابلة للاستبدال.

هذا التمييز ضروري لفهم قدرة البنية الإيرانية على الصمود أمام ضغوط قصوى دون الانهيار، ولماذا لا تتحول الاحتجاجات الداخلية المتكررة إلى بديل سياسي مكتمل. المرجعية الثورية هنا لا تعمل كسلطة مؤسسية فقط، بل كذاكرة نشطة وخطاب عام يعيدان باستمرار تعريف المشروع والمرفوض، والممكن والمستحيل. لذلك لا يُقرأ السلوك الإيراني بوصفه ممارسة قسرية مجردة، بل كجزء من صراع طويل على المعنى قبل أن يكون صراعًا على السلطة.

القراءة الثنائية الشائعة للحالة الإيرانية، نظام قمعي مقابل مجتمع ثائر، أو دولة أيديولوجية مقابل عالم براغماتي، تفشل في تفسير استمرار الدولة؛ لأنها تفترض أن الصراع يدور حول الإدارة والحقوق فقط، بينما جوهره يتعلق بشرعية التفسير. السؤال الأدق ليس: لماذا يحتجّ المجتمع؟ بل: لماذا لا تنتج هذه الاحتجاجات مرجعية بديلة قادرة على إعادة تعريف الدولة ووظيفتها وموقعها في العالم؟

منذ 1979، لم تُبنَ السلطة في إيران على السيطرة المؤسسية وحدها، بل على إعادة تعريف معنى الدولة نفسها. الدولة لم تُقدَّم كجهاز محايد يدير شؤون السكان، بل ككيان تاريخي في مواجهة نظام دولي معادٍ. بهذا التحول، لم تعد السياسة شأنًا إجرائيًا قابلاً للفصل عن الأمن والهوية، بل مسألة وجودية يتحوّل الطعن في خياراتها الكبرى إلى مخاطرة تتجاوز الخلاف السياسي نحو تهديد الكيان.

المرجعية الثورية لا تلغي التناقضات. الاقتصاد يعاني، والفجوات الطبقية تتسع، والاحتجاجات تتكرر، لكنها لم تنتج حتى الآن سردية مكتملة قادرة على تفكيك المرجعية القائمة. الغضب غالبًا ما يُصاغ بلغة مطلبية أو إصلاحية، لا بلغة إعادة تأسيس. هذا لا يعكس ضعفًا مجتمعيًا، بل يشير إلى قدرة المرجعية على تنظيم الصراع داخلها، لا على قمعه كليًا.

المجتمع المدني في إيران لا يعمل كفضاء مستقل عن الدولة بالكامل، ولا كأداة خاضعة لها بالمطلق. هو ساحة اشتباك داخل المرجعية نفسها. المؤسسات الدينية والتعليمية والإعلامية وشبكات التعبئة لا تنتج الطاعة فقط، بل تنتج التفسير أيضًا. الأزمات الاقتصادية لا تُعرض بوصفها فشلًا بنيويًا خالصًا، بل كنتيجة لصراع طويل وحصار مستمر. هذا لا يعني وجود إجماع، لكنه يعني أن البديل لا يظهر بوصفه أكثر عقلانية أو أقل كلفة.

البنية السياسية العليا تلعب دورًا محوريًا في منع تحوّل التناقضات إلى تفكك شامل. وجود مركز قرار فوق التنافسات اليومية يسمح بامتصاص الصراعات وإعادة توزيعها زمنيًا وسياسيًا. هذا العامل يفسر لماذا لم تنهَر إيران عند أول اختبار قاسٍ، بخلاف تجارب إقليمية انهارت فيها الدولة عند اهتزاز التوازنات.

الارتباط بين الداخل والخارج عنصر حاسم في فهم المرجعية الثورية الإيرانية. السياسة الإقليمية لا تُدار كملف نفوذ منفصل، بل كامتداد لمنطق الدفاع. نقل خطوط الاشتباك خارج الحدود يؤدي وظيفة ردعية، ويعيد إنتاج السردية الداخلية عن الحصار والاستهداف. الصراع الخارجي يُقدَّم بوصفه ضرورة وقائية، لا خيارًا توسعيًا، ويغدو الإقليم جزءًا من معادلة الأمن الوطني، لا عبئًا إضافيًا.

في البيئات الإقليمية التي تمدد فيها الحضور الإيراني، لم تكن الدولة الوطنية في وضع مستقر. الفراغ السياسي، والانقسام الاجتماعي، وفشل النخب المحلية في إنتاج مشروع سيادي، جعل خطاب المقاومة والسيادة قابلًا للتداول. الحضور الإيراني لم يعتمد على القوة الصلبة وحدها، بل على تقديم إطار تفسيري للصراع يتقاطع مع تجارب هذه المجتمعات مع التدخل الخارجي والارتهان.

مع ذلك، المرجعية الثورية ليست بنية مغلقة أو أبدية. هناك مؤشرات واضحة على تآكل القدرة على الإقناع، خصوصًا لدى جيل لم يعش لحظة التأسيس، ويتعامل مع الخطاب الثوري كتراث لا كتجربة وجودية. التحدي الحقيقي لا يكمن في الاحتجاجات ذاتها، بل في القدرة على تجديد المعنى بلغة جديدة، دون نقض الأسس الأولى التي قامت عليها الدولة.

غياب مرجعية بديلة متماسكة يبقى عاملًا حاسمًا في استمرار الوضع القائم. الخطابات المعارضة لم تنجح في تقديم تصور شامل للدولة والمجتمع والإقليم. كثير منها يستدعي نماذج خارجية دون ترجمة اجتماعية، أو يركز على نقد السلطة دون بناء تصور بديل قابل للحياة. في هذه الفجوة، تستمر المرجعية الثورية، لا لأنها بلا أخطاء، بل لأن كلفتها تبدو أقل من كلفة المجهول.

استراتيجيًا، لا تواجه إيران لحظة حسم، بل مسارًا طويلًا لإدارة التآكل. الدولة لا تتعامل مع الأزمات كتهديدات نهائية، بل كمجالات لإعادة اختبار التماسك. الحصار يتحول إلى دليل صواب، والضغط إلى برهان استهداف، والتكلفة إلى ثمن ضروري للاستقلال. لحظة الخطر الحقيقية لن تأتي من الخارج، بل من الداخل، عندما تعجز المرجعية الثورية عن الإجابة عن سؤال بسيط وخطير: لماذا نستمر على هذا النحو، لا لأننا محاصرون، بل لأننا مقتنعون.

زر الذهاب إلى الأعلى