عاجلمقالاتملفات

خيارات الضربة الأمريكية لإيران.. و”كارت” القاعدة الإسرائيلية

كتب: هانى الكنيسى 

عندما استخدم ترمب تعبير “أرمادا جميلة في الطريق” في وصف الأسطول الأمريكي المُتّجه إلى إيران (بقيادة حاملة الطائرات ‘لينكولن’)، كان مقصده الكناية “التاريخية” بما تحمله من دلالات القوة العسكرية والسطوة البحرية، في إشارة لاسم الحملة البحرية الضخمة التي أرسلها الملك فيليب الثاني ملك إسبانيا (عام 1588) لغزو إنجلترا وإسقاط الملكة إليزابيث الأولى واستعادة تاج الكاثوليكية. وبالنظر إلى “الجهل بالتاريخ” المعروف عن الرئيس البرتقالي، فالمؤكد أنه لا يعلم أن “الأرمادا” مني بهزيمة تاريخية أمام البحرية الإنجليزية، أنهت هيمنة إسبانيا البحرية، ومهدت لصعود بريطانيا كقوة عالمية. 

وبعيدًا عن رمزية مصطلح “أرمادا” في الثقافة الغربية كمرادف للأسطول المرعب، فإن العديد من المحللين “العاقلين” وجدوا أن المقصود من استعمال ذلك المصطلح التاريخي -وكذلك لفظ “نموذج فنزويلا” الذي استخدمه ترمب للتذكير بعملية خطف رئيس فنزويلا من عقر داره- ليس إلا إحدى استراتيجيات “الحرب النفسية” وممارسة “أقصى درجات الضغط” على الخصم الإيراني.

وبعيدًا عن “التنظيرات” الإعلامية بشأن الضربة الأمريكية المحتملة -والتي تتباين بين توقع “ضربة سريعة خاطفة” كما نقل الإعلام العبري عن حوار قائد القيادة المركزية (سنتكوم) الأدميرال كوبر مع جنرالات إسرائيل، وبين “ضربة ساحقة ماحقة تزلزل نظام الملالي”، حسب خطاب “الاستهلاك الإعلامي”، استوقفني نقاش “أكثر واقعية” بين عدد من الخبراء العسكريين بشأن “محدودية” الخيارات أمام شن هجوم جوي “مؤثر” على إيران. 

إذ يرى فريق منهم أن خيار استخدام القواعد العسكرية الثابتة والمسارات الجوية في منطقة الخليج وتركيا لم يعد مطروحا، ولذلك سيكون الاعتماد على القواعد البحرية المتحركة (أي حاملات الطائرات) والقواعد البعيدة “جغرافيا”. 

بينما يدفع فريق آخر بأن لدى الأمريكيين “ورقة رابحة ومخبأة لوقت الحاجة”، ولا يعرف بوجودها الكثير من الناس. ألا وهي قاعدة “عوفدا” الإسرائيلية في صحراء النقب! 

وقبل سرد تفاصيل هذا السلاح “السري”، سأحاول أن أوجز لماذا تتقلص الخيارات بالنسبة لأي عمل “عسكري” أمريكي ضد إيران، من وجهة نظر أولئك الخبراء: 

تركيا: أعلن وزير خارجيتها ‘هاكان فيدان’ أن “إشعال حرب جديدة ضد إيران سيكون قرارًا خاطئًا”. ومن منظورها فإن إيران “جار استراتيجي” بحدود طويلة ومفتوح، وأن انهيارها السريع سيعني “تفكك الدولة” وتدفق ملايين اللاجئين إلى الحدود التركية، والأخطر: أي يؤدي ذلك إلى “تشجيع النزعة الكردية الانفصالية” بين إيران، وتركيا وسوريا والعراق.

وما لا يعرفه البعض أن تركيا -الحليف المخلص لواشنطن وعضو حلف الناتو- تملك الصلاحيات القانونية والسيادية (باعتبارها المالك الأوحد) لمنع استخدام قاعدة ‘إنجرليك’ العسكرية التي تعتمد عليها الطائرات الأمريكية والأطلسية -بحكم موقعها الاستراتيجي- في تنفيذ غاراتها بالمنطقة. ويذكّر المحلل الإسرائيلي ‘شاي غال’ بأن أنقرة عطّلت فعليًا العمليات الأمريكية في القاعدة منذ محاولة الانقلاب الفاشلة على أردوغان عام 2016. 

قطر: رغم تمركز آلاف الجنود الأمريكيين في قاعدة ‘العديد’ (الأقرب جغرافيا لإيران)، فإنها “رسميًا” تٌعد منشأة “ذات سيادة قطرية”. وقد كررت الدوحة أنها “لن تسمح باستخدام أراضيها أو أجوائها” لشن هجمات على إيران. ولعل تجربة الهجوم الإيراني “الرمزي” على ‘العديد’ في يونيو 2025، كان أبلغ دليل على أن طهران لا تمزح، وهو أيضا ما يفسّر القرار الأمريكي في بداية العام -مع التهاب التهديدات المتبادلة بين واشنطن وطهران- بإجلاء مئات العسكريين من القاعدة القطرية “كإجراء احترازي” (بعد تأجج المظاهرات الإيرانية). 

الإمارات: هي الأخرى أبلغت واشنطن “رسميًا” بأنها لن تسمح باستخدام أراضيها أو أجوائها لضرب إيران، ولديها أسبابها الوجيهة التي أهمها أن الدولة الصغيرة (وبغض النظر عن طموحاتها التوسعية الخارجية ومغامراتها الإقليمية المشبوهة)، تبني استراتيجيتها على “الاستقرار الاقتصادي”، وعلى تثبيت موقعها وصورتها النمطية كـ“مركز مالي وتجاري عالمي”. وقد أخذت على محمل الجد تهديد إيران (التي تحتل نظريا ثلاث جزر إماراتية منذ السبعينات) لجاراتها الخليجيات بأن أي دولة ستفتح مجالها الجوي ستكون “هدفًا مشروعًا”. ولذا فإن الإمارات لن تجازف بتدمير بنيتها التحتية واستثماراتها التريليونية لأن “الأرمادا” الأمريكي لن يمنع الصواريخ والمسيرات الإيرانية من الوصول إلى منشآتها النفطية وموانئها ومنتجعاتها السياحية خلال دقائق.

السعودية: لا يختلف موقفها، كما لا تختلف مبرراتها الواقعية، عن شقيقتيها الخليجيتين، من المشاركة -ولو بطريقة غير مباشرة- في ضرب إيران. وقد أكد ولي العهد السعودي “علنًا” للرئيس الإيراني ‘بزشكيان’ رفض المملكة استخدام أجوائها في أي هجمات محتملة”.  

ماذا يعني إغلاق الأجواء الخليجية من الناحية العسكرية البحتة؟

حتى لو انطلقت القاذفات والمقاتلات الأمريكية من الحاملات “العملاقة” في مياه الخليج، مثلUSS Abraham Lincoln ، فإن عدم السماح باستخدام الأجواء السعودية والإماراتية والقاعدة القطرية أو التركية، سيجبرها على “مسارات أطول” يزيد حاجتها لطائرات التزود بالوقود جوًا، ويقلل من عنصر المفاجأة المطلوب، ويرفع التكلفة اللوجستية. 

ولذلك، سيتطلب تنفيذ الضربة الجوية لإيران تخليق “مزيج” من القواعد الأمريكية “المتحركة” (أي حاملات الطائرات)، والقواعد “البعيدة جغرافيا” مثل

قاعدة ‘سودا’ في كريت.

قاعدة ‘دييغو غارسيا’ في المحيط الهندي. 

وهنا يبرز “البديل الإسرائيلي” الجاهز، أو الورقة الرابحة “المخفية”: قاعدة ‘عوفدا’ التي بُنيت عام 1981 في صحراء النقب شمال إيلات، بتمويل وإشراف أمريكي كامل، عقب توقيع معاهدة ‘كامب ديفيد’ (كبديل عن قاعدة ‘عتصيون’ الجوية التي أُخليت من سيناء المحرّرة)، والتي يصفها بعض الخبراء العسكريين بأنها ستكون “رأس الحربة” في الهجوم الأمريكي المرتقب على إيران. 

وذلك لما تتمتّع به هذه القاعدة “السرية” من مزايا لوجستية ومواصفات عسكرية: 

تضم مدرجين بطول 3000 و2600 متر، قادرين على استقبال أكبر الطائرات الأمريكية (ومن بينها طائرات التزود بالوقود KC-46 وKC-135)  

موقع استراتيجي يمكّن الطائرات الانطلاق من جنوب إسرائيل والالتفاف عبر مسارات دولية دون الحاجة لعبور أجواء الدول الخليجية

بالقرب من القاعدة، يقع “الموقع 512” على جبل ‘هار كيرين’، حيث يُدار رادار الإنذار المبكر الأمريكي AN/TPY-2 من قِبل “فرقة الفضاء الأولى” في الجيش الأمريكي، كما نُقلت أنظمة الدفاع الجوي المتطورة THAADإلى الموقع. 

العمق اللوجستي والأمان السياسي: قدرة كبيرة على تخزين الذخائر والمعدات، ثم استخدامها في أي وقت، دون خشية من قرارات سياسية مفاجئة أو قيود تشغيلية.

زر الذهاب إلى الأعلى