أخبارإبداعات عربية

الحرب الهجينة… حين يصبح الشعب سلاحًا ضد دولته

بقلم: سامح عسكر

لم تعد الحروب في عالم اليوم تُدار وفق القالب التقليدي المعروف: جيش في مواجهة جيش، وسلاح في مواجهة سلاح. فقد تجاوزت الصراعات الحديثة هذا النموذج إلى ما يُعرف بـ الحرب الهجينة، وهي نمط معقّد من الحروب يعتمد على الدعاية الإعلامية، والتلاعب بالمعلومات، وحروب الإشاعات، والسيطرة على سلاسل الإمداد، والضغط المالي، والهيمنة التكنولوجية.

في هذا النوع من الحروب، لا يكون الهدف هو الميدان العسكري فقط، بل يتحول المواطن نفسه إلى هدف وأداة قتال في آن واحد، دون وعي منه. إذ يُسخَّر الرأي العام لهدم دولته من الداخل، ويتم تجنيد الملايين نفسيًا وإعلاميًا دون أن يدركوا ذلك، أو حتى يشكوا في نُبل الغاية المعلنة. وتُدار هذه العمليات عبر هجمات إلكترونية منظمة، وحملات تضليل قادرة على تحريك الشارع، وزعزعة الاستقرار، وإسقاط الحكومات.

وقد جرى تطبيق هذا النموذج بوضوح في الحالة السورية.

فالنظام السوري السابق لم يسقط بفعل العمل العسكري وحده، بل سقط أولًا عبر حرب دعائية منظمة اعتمدت على عدة عناصر متكاملة:

أولًا: دعاية إعلامية مكثفة، وإشاعات ممنهجة، شاركت فيها آلاف القنوات والصحف والمواقع المؤثرة.

ثانيًا: فتاوى دينية ذات تأثير عاطفي ووجداني واسع على قطاعات من الجمهور.

ثالثًا: مواقف سياسية عدائية واضحة على المستويين الإقليمي والدولي.

رابعًا: حصار اقتصادي خانق، وسيطرة دقيقة على سلاسل الإمداد، وهو العنصر الحاسم الذي يُفعَّل بعد استنزاف العناصر السابقة.

وبنجاح هذه الأدوات، لم يتم إسقاط النظام فحسب، بل بدأ تفكيك الدولة السورية على أسس عرقية ودينية، وتدمير جيشها بصورة شبه كاملة، وإعادتها من حيث القوة العسكرية إلى ما يشبه عصور ما قبل الدولة الحديثة. وأصبح بناء جيش قوي جديد مهمة تحتاج إلى عقود، وربما قرون.

وهكذا خرجت سوريا من معادلات القوة والنفوذ في الشرق الأوسط، لا عبر هزيمة عسكرية مباشرة، بل عبر حرب هجينة متكاملة. وساعد على ذلك أن النظام السوري تعامل مع ما يجري منذ البداية باعتباره مجرد مواجهة عسكرية مع ميليشيات محدودة، ذات نتائج مضمونة، وهو ما عكسته تصريحات رسمية شهيرة في بدايات الأزمة.

اليوم، تُطرح محاولات لتكرار السيناريو ذاته مع إيران، وربما مع العراق في ظل هيمنة الأحزاب الدينية الشيعية على السلطة، وعودة أسماء سياسية مثيرة للجدل مثل نوري المالكي إلى المشهد.

إلا أن هناك متغيرًا جوهريًا يجعل استنساخ تجربة إسقاط الأسد في إيران أمرًا بالغ الصعوبة، وهو غياب عنصرين أساسيين من عناصر الحرب الهجينة:

الفتاوى الدينية المؤثرة، والمواقف العربية العدائية.

فالدول العربية، على عكس الحالة السورية، لا تُبدي حماسة لسقوط النظام الإيراني، إدراكًا منها أن البديل قد يكون سيطرة مطلقة لإسرائيل على موازين القوى الإقليمية. كما أن إصدار فتاوى دينية ضد إيران بات يُنظر إليه رسميًا على أنه يصب في مصلحة إسرائيل، ويعرّض أصحابه لعقوبات أو اتهامات بالعمالة.

وبذلك، لم يتبقَّ سوى عنصرين:

الدعاية الإعلامية، والحصار الاقتصادي.

وكلاهما جُرِّب بالفعل ضد إيران، وفشل في إسقاط النظام أو حتى إضعافه بصورة حاسمة.

وفي هذا السياق، يمكن فهم التحالف المتنامي بين إيلون ماسك ودونالد ترامب باعتباره جزءًا من محاولة استعادة السيطرة الأمريكية على الفضاء الدعائي والإعلامي، وإعادة منح الخطاب الأمريكي قوة انتشار وتأثير، بعد تراجع النفوذ الثقافي والمعنوي للولايات المتحدة بفعل الصعود الروسي والصيني من جهة، وجرائم إسرائيل بحق الفلسطينيين من جهة أخرى.

لكن جوهر المشكلة في الحروب الهجينة أنها تفتقر إلى أهداف حضارية واضحة. فهي تُجيد صناعة الفوضى، وإسقاط الأنظمة، وتفكيك الدول، لكنها لا تقدم مشروعًا متماسكًا للبناء أو بدائل عقلانية قابلة للحياة. ولهذا، تفشل أغلب هذه الحروب في نهاياتها، وبعد نشوة الانتصار الأولى، يبدأ الندم.

ويكفي النظر إلى نموذج العراق بعد إسقاط صدام حسين، حيث وصل الأمريكيون أنفسهم إلى قناعة مفادها أن ما فعله جورج بوش لم يدمّر خصمًا، بل أطلق «وحشًا إيرانيًا» كان مكبوتًا داخل العراق، وامتد صداه إلى لبنان واليمن.

وهنا يبرز السؤال الجوهري:

هل يدرك من يخططون لإسقاط النظام الإيراني خطورة ما بعد السقوط على مصالحهم؟

هل يضمنون ألّا يخرج «وحش عربي» أو «غول قومي عروبي» يعيد توجيه الصراع نحو إسرائيل؟

وهل يضمنون ألّا تتمدد إمبراطورية تركية ذات طابع عثماني لتكون بديلًا سنّيًا لإيران على الدرجة نفسها من الخطورة؟

إسقاط النظام الإيراني عبر الحرب الهجينة يبدو مهمة شديدة الصعوبة، لكن الأصعب والأخطر هو قراءة ما بعد خامنئي. فربما كان وجود خامنئي، paradoxically، عامل توازن يخدم إسرائيل. أما غيابه، فقد يفتح الباب أمام بروز قوى أكثر جرأة، سواء في إيران أو تركيا أو العالم العربي، تتخذ قرارات حاسمة ظل النظام الإيراني الحالي مترددًا في اتخاذها حتى الآن.

زر الذهاب إلى الأعلى