
بقلم: أرنست وليم
مع كل موجة جديدة من التسريبات المرتبطة بملفات جيفري إبستين، يعود السؤال القديم بصيغة أكثر حدّة وإلحاحًا:
هل يمكن لفضائح أخلاقية كبرى أن تُنهي ظاهرة دونالد ترامب؟
وهل تمثل هذه الملفات فرصة أخيرة لإنقاذ الديمقراطية الأمريكية من رجل قرر هو وحزبه أن «نحن الدولة»، وما عدا ذلك أعداء يجب إقصاؤهم… ثم نرى لاحقًا ماذا نفعل بهم؟
ظاهريًا، تبدو الإجابة مغرية.
ادعاءات خطيرة، شهادات صادمة، شبكة علاقات مشبوهة، واسم ترامب حاضر في سياق لا ينجو منه أي سياسي تقليدي.
لكن السياسة الأمريكية لم تعد تقليدية، وترامب ليس سياسيًا عاديًا. نحن أمام مشهد انقلب رأسًا على عقب، وتكسّرت فيه قواعد اللعبة نفسها.
ترامب هو ابن عصر «ما بعد الحقيقة».
في واقعة شهيرة، حين سُئلت إحدى المتحمسات له عن الفارق الواضح بين أعداد الحضور في حفل تنصيب أوباما مقارنة بتنصيب ترامب — رغم أن الصور والفيديوهات كانت حاسمة — جاء الرد صادمًا وبسيطًا:
«دي حقيقتك… وإحنا لينا حقيقتنا».
كنا نسخر يومًا من «ما بعد الحداثة»، ثم «ما بعد العلمانية»، إلى أن وصلنا فعليًا إلى «ما بعد الحقيقة».
نحن هناك الآن، ولا رجوع سهلًا من هذا المنحدر. بل نحن فيما بعد «ما بعد».
المشكلة الجوهرية هنا ليست في حجم أو فظاعة الادعاءات، بل في طبيعة العلاقة بين ترامب وما يمثله حزبه وقاعدته الشعبية.
إنها علاقة شبيهة بعلاقة الجماهير بالزعيم الأوحد في دول البطش والموز. أمريكا انزلقت بالفعل قبل أن تستفيق على نكسة كبرى: الفارق الهائل بين ما تتخيل أنها عليه، وبين الخيبة الثقيلة التي تورطت فيها.
علاقة ترامب بجمهوره لم تعد قائمة على الوقائع أو المحاسبة، بل على الإيمان.
حركة «ماجا»، وتحالفها الواسع مع اليمين البروتستانتي الأبيض، لا تنظر إلى ترامب كرجل يُسأل أو يُحاسَب.
هو «الأفضل» مهما ارتكب من أخطاء، لأنه — في نظرهم — صريح و«حقيقي»، مقارنة بآخرين «فاسدين حتى النخاع، من الرأس إلى أخمص القدمين».
أما أخطاؤه، فقد جرى تبريرها لاهوتيًا.
في قضية علاقته بممثلة إباحية ودفعه مبلغًا ماليًا كبيرًا لإسكاتها عبر وسيط، قال أحد القساوسة:
«لقد اختار الرب داود، رغم أنه زنى وخان وقتل. لكن الله عرف قلبه، وحقق مشيئته من خلاله».
الله أكبر، ولله الحمد والمنّة… وعلى العقل السلام، وبالناس المسرة.
ترامب، في هذا الوعي الجمعي، زعيم مُختار، مستهدف دائمًا من «الدولة العميقة»، والإعلام، والقضاء، والنخب الليبرالية.
وفي هذا السياق، لا تعمل الفضائح كأدلة إدانة، بل كوقود تعبئة.
كل اتهام جديد يُعاد تفسيره فورًا باعتباره مؤامرة، أو تلفيقًا سياسيًا، أو سلاحًا في «الحرب على ترامب».
حتى لو كانت بعض الادعاءات صحيحة أو موثقة، فإنها تفقد تأثيرها داخل الفقاعة الإيمانية المحيطة بالرجل.
ببساطة: الكلام لا يدخل… لأنه غير مسموح له بالدخول.
هل تهتز الشعبية؟ نعم.
هل تسقط الزعامة؟ على الأرجح لا.
هذه الملفات قد تُربك المشهد، وتؤثر على المترددين، وتحرج بعض الجمهوريين التقليديين، لكنها لا تكسر العمود الفقري للتحالف الترامبي.
بل الأخطر أنها قد تُستخدم لتبرير تصعيد مباشر ضد القضاء والإعلام، باعتبارهما أدوات اضطهاد سياسي.
إغراق المجال العام بالأكاذيب، والتخلص — أو بالأحرى التضحية — بأعداء الرؤية الترامبية، كما نظّر ستيف بانون، يصبح جزءًا من المعركة.
الجميع متآمر.
ترامب ضد العالم…
«العالم الذي وُضع في الشرير»، كما سيعيد أحد القساوسة الهزء مرة أخرى.
المسار في أمريكا لم يعد مجرد معركة انتخابية، بل صراعًا على شرعية المؤسسات ذاتها:
من يملك الحقيقة؟
من يملك الحق في الحكم؟
ومن يُصنَّف «عدو الشعب»؟
هذه ليست أسئلة نظرية.
إنها أسئلة تتحول إلى سياسات تُطبَّق على الأرض.
للأسف، يعتقد كثيرون أن سقوط ترامب — أو خروجه من المشهد بسبب تدهور صحته العقلية، أو عجزه عن ممارسة مهام منصبه بفعل السن — سيكون خلاصًا.
ومن وجهة نظري المتواضعة، أرى أن هذه قراءة متفائلة أكثر من اللازم.
حتى لو انتهى الرجل سياسيًا أو قانونيًا — وهي فرضية يتم أستبعادها تمامًا — فإن المشروع الذي مثّله لم يُهزم.
تحالف القومية الشعبوية، واليمين الديني الأبيض، والخطاب المعادي للدولة والمؤسسات، أصبح أكثر تنظيمًا، وأكثر جذرية، وأقل التزامًا بقواعد اللعبة الديمقراطية.
والمفارقة الأخطر أن سقوط ترامب قد يفتح الباب أمام نسخ أكثر تطرفًا، أقل فوضوية، وأكثر كفاءة.
شخصيات تتعلم من أخطائه، وتتجنب صداماته العبثية، لكنها تطبق النهج ذاته ببرود واحتراف.
ملفات إبستين — مهما بلغت خطورتها — لن «تنقذ» أمريكا.
فالقادم قد لا يكون أكثر انضباطًا…بل أشد خطرًا.
