عاجلمتنوعاتنحن والغرب

حلم “العودة الفلسطينية”، وأكاذيب “حقوق” الإنسان .. في عقيدة المنظمات الدولية

كتب: هانى الكنيسى 

 استفزّني “التحذير” الذي نقلته وكالات الأنباء على لسان ‘هيومن رايتس ووتش’ HRW من أن “النظام العالمي لحقوق الإنسان في خطر”، ليس لأن الكلام به مبالغة، وإنما لأن المنظمة “الحقوقية” نفسها تعاني من أمراض “رياء” وانفصام شخصية، أكثر خطورة على يُسمّى بـ”النظام العالمي لحقوق الإنسان”. 

إذ كانت استقالة باحثيْن بارزين من ‘هيومن رايتس ووتش’، احتجاجًا على قرار إدارتها حجب تقرير يخلص إلى أن إنكار إسرائيل لحق الفلسطينيين في العودة يرقى إلى “جريمة ضد الإنسانية”، حدثًا كاشفًا لمصداقية ومهنية المنظمات المدافعة “نظريًا” عن حقوق الإنسان، وفضحًا صارخًا لازدواجية المعايير عندما يتعلق “الاتهام” بالاحتلال “السامي” وبالشعب “المختار”. 

عمر شاكر (أمريكي من أصل عراقي)، رئيس فريق “إسرائيل وفلسطين” ، وميلينا أنصاري (فلسطينية)، الباحثة المساعدة في الفريق، كان لديهما الشجاعة لتقديم استقالتهما من منظمة ‘هيومن رايتس ووتش’ بسبب قرار إدارتها فرض “إيقاف مؤقت انتظارًا لمزيد من التحليل” على التقرير الذي كان جاهزًا للنشر في 4 ديسمبر 2025، والذي اجتهدا -مع زملاء آخرين وباحثين ميدانيين- في جمع معلوماته وأسانيده القانونية لأشهر متصلة، وخضع للمراجعة المعتادة عبر 8 إدارات داخلية، بذريعة أن التقرير “أثار قضايا معقدة وتداعيات”… وأن جوانب البحث “تحتاج إلى تعزيز لتلبية المعايير العالية للمنظمة”. 

التقرير غير المنشور، بعنوان “أرواحنا في المنازل التي تركناها: إنكار إسرائيل لحق الفلسطينيين في العودة والجرائم ضد الإنسانية”، يقع في 33 صفحة، ويتجاوز حدود تقارير سابقة للمنظمة لأنه لا يكتفي بتوثيق معاناة اللاجئين، بل يقدّم تكييفًا “قانونيًا” جديدًا: اعتبار إنكار حق العودة “فعلًا لاإنسانيًا” بموجب نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.

ويستند التقرير، وفق ‘الغارديان’ البريطانية، إلى سابقة قانونية مهمة؛ وهي قرار الدائرة التمهيدية للمحكمة الجنائية الدولية عام 2018، التي رأت أن منع عودة أقلية ‘الروهينغيا’ إلى ميانمار قد يشكّل جريمة ضد الإنسانية.

ومن هذا المنطلق، كان التقرير الجديد “أداة محتملة للمساءلة القانونية، لأنه يوفر ‘أصلًا’ يمكن أن يستند إليه أي لاجئ فلسطيني هُجّر عام 1948 لرفع دعوى قضائية”، على حد تعبير عمر شاكر. 

وبرغم تضامن أكثر من 200 موظف آخرين في المنظمة مع موقف الباحثيْن المستقيليْن، وتوقيعهم رسالة احتجاج جماعية تؤكد أن “حجب التقرير يخلق انطباعًا بأن عملية المراجعة مفتوحة للتدخل غير المبرر”، وبأنه قد “يشكّل سابقة لقمع أعمال أخرى مستقبلًا”، فقد كانت المفارقة في تعقيب ‘هيومن رايتس ووتش’ على كل ذلك ببيان يؤكد أنها “تدعم حق العودة للفلسطينيين، كما كانت سياستها لسنوات”. 

واكتفى المدير التنفيذي الجديد للمنظمة، ‘فيليب بولوبيون’ بالقول: “الخلاف الداخلي حقيقي لكنه حسن النية”!! 

إلا أن الرسائل “الداخلية” التي اطّلعت عليها ‘الغارديان’ تكشف بوضوح أن الجدل في أروقة المنظمة لم يكن قانونيًا بحتًا، وأن “المخاوف” التي تلونت بمبررات الحفاظ على “السمعة والمصداقية”، كان مرجعها الحقيقي هاجس “رد الفعل السياسي” من طرف “معروف”. 

ففي رسالة بتاريخ 21 أكتوبر الماضي، قال ‘برونو أوغارتي’ كبير موظفي الدعوة إن نطاق التقرير “واسع جدًا” لأنه يشمل كل الفلسطينيين في الشتات، معبّرا عن خشيته من أن يُساء فهم التقرير باعتباره “دعوة لإطفاء يهودية الدولة الإسرائيلية ديموغرافيًا”. 

بينما تساءل ‘توم بورتيوس’، القائم بأعمال مدير البرنامج آنذاك: كيف يمكن نشر هذا الكلام، دون أن نظهر وكأننا نرفض دولة إسرائيل؟”. 

ولعل ما كتبه كبير الباحثين عمر شاكر في خطاب استقالته خير تعبير عن خيبة الأمل في مصداقية المؤسسات المنوط بها الدفاع عن حقوق البشر، قائلًا: “لقد فقدت ثقتي في نزاهة كيفية قيامنا بعملنا… لم أعد قادرًا على تمثيل هذه المنظمة.”

ويرى شاكر -الذي رحّلته إسرائيل عام 2019 بتهمة دعمه لحركة المقاطعة (BDS)- أن منظمته التي وصفت سياسات إسرائيل بأنها “فصل عنصري” في تقريرها الشهير عام 2021، ارتجفت أمام ما يسمّيه “الخط الثالث” أو المنطقة التي يحرّم على القانون الدولي الاقتراب منها؛ حق العودة. 

“تكفي مشاهدة علامات الكرب في وجوه الفلسطينيين الذين قابلتهم والذين حكم عليهم فعليًا بوضع اللاجئ مدى الحياة .. إنهم يستحقون معرفة سبب منع قصصهم من النشر” .. هكذا ختم الباحث المستقيل من ‘هيومن رايتس ووتش’ حديثه مع ‘الغارديان’.

زر الذهاب إلى الأعلى