الشرق قادمعاجل

لماذا تتعثر المفاوضات النووية الآن؟

كتب: سامح عسكر

حين تتحول الطاولة من تفاوض إلى محاكمة تتعثر المفاوضات النووية بين الولايات المتحدة وإيران في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، ليس بسبب الملف النووي ذاته، بل بسبب ما تحاول واشنطن تحميله على طاولة التفاوض من ملفات إضافية ترى طهران أنها تمس جوهر أمنها وسيادتها، وتهدد بتكرار سيناريوهات تاريخية انتهت بكوارث استراتيجية على دول قبلت التفريط في عناصر قوتها.

النووي فقط… هذا هو السقف الإيراني

تنطلق إيران في موقفها التفاوضي من مبدأ واضح: العودة الحرفية إلى اتفاق 2015، الذي انسحبت منه الولايات المتحدة بإرادة منفردة خلال الولاية الأولى لدونالد ترامب (2017–2021)، متسببة في تقويض الثقة السياسية والقانونية بالالتزامات الأمريكية.

وترفض طهران بشكل قاطع إدراج أي ملفات أخرى خارج الإطار النووي، معتبرة أن فتح الباب أمام التفاوض حول برنامج الصواريخ أو علاقاتها الإقليمية يعني عمليًا تجريدها من أدوات الردع، وهو المسار ذاته الذي سلكه نظاما صدام حسين ومعمر القذافي، وانتهى بسقوط الدولة وانهيار المشروع الوطني.

واشنطن توسّع الأجندة… وإيران ترى الفخ

في المقابل، تسعى الإدارة الأمريكية إلى توسيع أجندة التفاوض لتشمل ملفات تعتبرها “سلوكًا إيرانيًا مزعزعًا للاستقرار”، وعلى رأسها:

برنامج الصواريخ الباليستية

دعم قوى المقاومة المناهضة لإسرائيل

إضافة إلى مطالب تفاوضية ذات طابع اقتصادي واستراتيجي، أبرزها:

تقليص صادرات النفط الإيرانية إلى الصين

الحد من التعاون الاقتصادي مع روسيا

فتح السوق الإيرانية أمام الشركات الأمريكية، خصوصًا في قطاع الطاقة

وترى طهران أن هذه المطالب لا تستهدف الاتفاق بقدر ما تهدف إلى عزل إيران عبر التفاوض، وتحويل طوقها الجغرافي من مصدر قوة إلى نقاط اختراق استراتيجية.

التفاوض المباشر… ورفض تدويل الأزمة

تشدد إيران على أن أي تفاوض يجب أن يكون مباشرًا مع الولايات المتحدة، دون أطراف ثالثة، خشية تدويل الملف وتحويل المفاوضات إلى ساحة إملاءات سياسية ومحاكمات غير رسمية تمس المصالح الإيرانية.

ومن هذا المنطلق، رفضت طهران وساطات عدة، من بينها الوساطة التركية، نظرًا لعضوية أنقرة في حلف الناتو، وسعيها لبناء نفوذ إقليمي ذي طابع طائفي في مناطق مثل سوريا. كما تحفظت على أدوار أوروبية سابقة، اتُهمت فيها مؤسسات غربية بتسريب معلومات حساسة لإسرائيل، سواء عبر قنوات سياسية أو من خلال الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

لماذا عُمان؟

تُعد سلطنة عُمان الاستثناء الوحيد المقبول إيرانيًا كوسيط رئيسي، نظرًا لعلاقاتها المتوازنة مع طهران، وسجلها الطويل في الوساطات الهادئة والسرية، سواء في الاتفاق النووي السابق أو في ملفات تبادل الأسرى.

فمسقط، وفق الرؤية الإيرانية، لا تبحث عن دور إقليمي استعراضي، ولا توظف الوساطة كورقة ابتزاز سياسي، ولا تُسرب معلومات تفاوضية حساسة.

في المقابل، ترى إيران في مصر إطارًا تحضيريًا مقبولًا، بحكم ثقلها الإقليمي وقدرتها على تهيئة المناخ السياسي دون فرض أجندات.

من تفاوض إلى صراع مفتوح؟

تدرك إيران أن القبول بأي ملف غير نووي سيحوّل المفاوضات من مسار دبلوماسي إلى محاكمة سياسية شاملة لدورها الإقليمي، وتهديدًا مباشرًا لمصالحها في الشرق الأوسط، في وقت تعتبر فيه واشنطن أن أي علاقة إيرانية جيدة مع دول الجوار تمثل “نفوذًا يجب إخضاعه”.

وفي حال فشل المفاوضات وتصاعدت الخيارات العسكرية، تحذر تقديرات إقليمية من أن أي اعتداء أمريكي على إيران لن يبقى محصورًا داخل حدودها، بل قد يشعل ساحات أخرى، من بينها اليمن والعراق ولبنان، مع عودة إسرائيل إلى دائرة الاستهداف العسكري، ليس على خلفية غزة هذه المرة، بل في إطار حرب إقليمية أوسع.

المفاوضات النووية اليوم لا تتعثر بسبب التقنية النووية، بل بسبب الصراع على شكل النظام الإقليمي وحدود القوة والنفوذ. وبين إصرار أمريكي على إعادة هندسة البيئة الاستراتيجية لإيران، وتمسك إيراني بسقف تفاوضي صارم، يبقى السؤال الأخطر معلقًا:

هل المنطقة على أعتاب تسوية سياسية قاسية… أم صراع إقليمي واسع قد يتخذ أبعادًا طائفية وعرقية؟

زر الذهاب إلى الأعلى