عاجلمقالاتملفات

المالكي والسلطة المركزية: العراق بين الإمكانية والفيتو الأمريكي

معتز منصور – باحث سياسي 

تجربة نوري المالكي في العراق لا تُفهم إلا من خلال صراع أوسع من مجرد شخصية أو ولاء إقليمي، وهو صراع بين السلطة المركزية والإمكانات التاريخية للبلد من جهة، والحدود التي تفرضها السياسة الدولية والإقليمية من جهة أخرى. المالكي حاول بناء سلطة مركزية قوية، قادرة على توحيد مؤسسات الدولة وإعادة إنتاج استقرار سياسي بعد سنوات من الانقسامات والهشاشة، لكن العراق، رغم تحمله نظريًا لهذه الإمكانية، ظل هشًا على مستوى المؤسسات، متأثرًا بانقسامات سياسية عميقة، ومفتوحًا لتدخلات إقليمية متعددة. الفيتو الأمريكي الحالي، الذي رفض عودته لرئاسة الحكومة، يضع هذا الصراع في صدارة الفهم: ليس رفضًا لشخصه، بل إشارة صارمة لحدود القوة المركزية غير القابلة للضبط.

السلطة التي حاول المالكي بناؤها كانت أمنية قبل أن تكون سياسية، قوة قبل أن تصبح شراكة، وسيطرة قبل أن تتحول إلى مؤسسات. هنا يظهر الصدام الأساسي: الإمكانية التاريخية لبناء دولة اصطدمت بالواقع الداخلي، حيث المؤسسات الهشة، ضعف الشراكة السياسية، واستمرار الصراعات الطائفية والمجتمعية، إلى جانب اقتصاد متراجع وموارد غير موزعة بعدالة. السلطة المركزية بلا مؤسسات وشرعية واسعة تظل قوة شخصية قابلة للتفكك أمام أي أزمة، وهذا ما حدث في السنوات التي أعقبت ولاية المالكي الأولى.

من جهة أخرى، التجربة تكشف أن الفيتو الأمريكي ليس مجرد عقاب سياسي، بل أداة لضبط حدود الإمكانات التي يمكن للسلطة المركزية أن تمتلكها داخل العراق. واشنطن لم تعارض الدولة العراقية أو القوة المركزية من حيث المبدأ، لكنها تعاملت بحذر مع نموذج السلطة الذي يمكنه تجاوز حدود التوازنات الداخلية والإقليمية. وفي هذا الصدد، تبقى الديناميكيات الداخلية، مثل تحالفات الأحزاب، البرلمان، القضاء، القوى الأمنية، والمجتمع المدني، عناصر حاسمة تحدد مصير أي سلطة مركزية، لكنها لم تُدمج كعامل مركزي في قراءة كثير من التحليلات السابقة، وهذا يضع الفيتو في سياق أوسع من مجرد رفض شخصي.

التوازنات الإقليمية تزيد تعقيد المشهد. العراق محاط بقوى متنوعة، لكل منها مصالحها الخاصة: إيران، تركيا، دول الخليج، وحتى روسيا والصين. السلطة المركزية، في هذا السياق، لا يمكن أن تعمل بمعزل عن هذه البيئة، فمحاولة تجاوز توقعات اللاعبين الإقليميين أو الدوليّين، حتى ولو كانت من أجل بناء الدولة، قد تُفسر كتهديد لتوازنات النفوذ، وتحول السلطة المركزية إلى أداة صراع محتمل. المالكي حاول إيجاد مركز قوة داخلي يتعامل مع هذه التوازنات، لكنه اصطدم بحدود واقعية: السلطة المركزية تحتاج إلى مؤسسات مستقلة وشرعية واسعة لتكون مقبولة داخليًا وخارجيًا، وإلا فإنها تصبح نقطة ضعف، وليس قوة للبناء.

الخيارات السياسية المستقبلية للعراق تتأثر بشكل مباشر بهذه التجربة. أي قيادة جديدة ستواجه التساؤل نفسه: هل تسعى لبناء سلطة مركزية حقيقية، مدعومة بمؤسسات قوية، قادرة على فرض القانون بشكل متوازن، أم تختار توزيع النفوذ بين المكونات المختلفة لتجنب الصراع، على حساب القدرة على اتخاذ قرارات استراتيجية؟ تجربة المالكي تثبت أن السلطة المركزية ممكنة، لكنها تحتاج إلى إدارة دقيقة لكل الخصوم والمكونات المجتمعية، وفهم شامل للتوازنات الإقليمية والدولية.

استشراف النتائج المستقبلية يشير إلى أن الإمكانية وحدها لا تكفي، والطريق الذي تختاره القيادة في إدارة السلطة يحدد النتائج النهائية. أي تجربة جديدة لبناء السلطة المركزية يجب أن ترافقها مؤسسات قوية، قاعدة شرعية واسعة، شراكة سياسية داخلية، وتقدير واقعي للحدود التي يفرضها الخارج. بدون ذلك، تتحول السلطة إلى قوة شخصية أو أداة ضغط، لا دولة متماسكة، وقد تتكرر الفرص الضائعة التي عاشها العراق مع المالكي.

في المحصلة، تجربة المالكي توضح أن محور السلطة المركزية مقابل الفيتو الأمريكي ليس مجرد ثنائية سياسية، بل مفتاح لفهم كل الأحداث في العراق اليوم: صراعات الداخل، الهشاشة الاقتصادية والاجتماعية، وتوازنات النفوذ الإقليمية والدولية. العراق كان يحتمل السلطة المركزية، لكن نجاحها مشروط بتحويل القوة إلى مؤسسات، وبناء شرعية واسعة، والقدرة على الموازنة بين الداخل والخارج. تجربة المالكي لم تفشل لأنه حاول، بل لأنها لم تنجح في التنفيذ ضمن حدود الواقع الداخلي والخارجي، وهي اليوم درس للقيادة العراقية: الإمكانية وحدها لا تكفي، والطريق الذي تختاره السلطة يحدد مصير الدولة.

زر الذهاب إلى الأعلى