الجزائر تكسر الصمت بقرار سيادى يحمل رسائل إقليمية أوسع ضد أبو ظبى

المحرر السياسي
قررت الجزائر إلغاء اتفاق الطيران مع دولة الإمارات العربية المتحدة، في إجراء بدا في ظاهره فنيًا واقتصاديًا، لكنه حمل في جوهره دلالات استراتيجية تتجاوز حدود العلاقة الثنائية بين البلدين.
القرار الجزائري لم يُرفق ببيانات تصعيدية أو تصريحات حادة، إلا أن توقيته وسياقه الإقليمي جعلاه محط قراءة سياسية معمقة، خصوصًا في ظل تصاعد التوترات في عدد من بؤر الأزمات المحيطة بالحدود الجزائرية حيث يحمل القرار قراءة مبكرة للمشهد الإقليمي
وفق مصادر متابعة للشأن الإقليمي فأن الجزائر تعاملت مع التطورات الجارية بمنطق استباقي، حيث تنظر بقلق إلى ما تعتبره تمددًا لمشاريع عدم الاستقرار في محيطها المباشر، خاصة في ليبيا ومنطقة الساحل الإفريقي.
وتشير هذه القراءات إلى أن دعم بعض الأطراف الإقليمية لقوات خليفة حفتر في ليبيا يُنظر إليه في الجزائر كتهديد مباشر لأمنها الحدودي، في ظل الانفلات الأمني المستمر على الجبهة الشرقية. كما أن الأوضاع المضطربة في السودان وتشاد ومالي تُشكل، وفق الرؤية الجزائرية، حزامًا من الفوضى قابلًا للتمدد غربًا نحو شمال إفريقيا.
ــ الأمن القومي والخطوط الحمراء
ضمن هذا السياق، يبرز ملف التطبيع في المنطقة كعامل إضافي في الحسابات الجزائرية، لا سيما مع ما تعتبره الجزائر إدخال أطراف خارجية إلى توازنات حساسة في المغرب العربي، بما قد يمس بالأمن القومي الإقليمي.
كما تُثار تساؤلات في الجزائر حول طبيعة بعض الاستثمارات الخليجية في المنطقة، ومدى ارتباطها بأجندات سياسية أو اقتصادية ضاغطة، خاصة في ملفات الطاقة والتأثير على القرار السيادي للدول.
ويرى محللون أن إلغاء اتفاق الطيران يمثل رسالة محسوبة بعناية: قرار اقتصادي من حيث الشكل، لكنه إعلان تموضع استراتيجي من حيث المضمون، دون الحاجة إلى تصعيد إعلامي أو دبلوماسي مباشر.
فالجزائر، التي لطالما تبنّت سياسة خارجية قائمة على مبدأ عدم التدخل وحماية السيادة، تبدو اليوم أكثر ميلًا إلى استخدام أدوات ضغط ناعمة للتعبير عن مواقفها ورفضها لمسارات تراها مهددة للاستقرار الإقليمي.
ــ تحولات في موازين الاصطفاف الإقليمي
وتزامن القرار مع حديث متزايد عن تقارب جزائري مع محور إقليمي يُصنّف على أنه “محور الاستقرار”، ويضم دولًا مثل السعودية ومصر وتركيا، وهو ما يضيف وزنًا سياسيًا جديدًا للجزائر في معادلات المنطقة.
هذا التحول، إن تأكد، قد يعيد رسم خريطة النفوذ الإقليمي، ويحوّل مشاريع النفوذ الأحادي إلى حالة من الحصار السياسي والدبلوماسي المتدرج.
إلغاء اتفاق الطيران بين الجزائر والإمارات لا يمكن قراءته كخلاف عابر أو إجراء تقني معزول، بل كإشارة هادئة ضمن سياسة أوسع، تعتمد على الرسائل غير المباشرة بدل المواجهة المفتوحة.
فحين تختار الدول ذات الثقل الإقليمي استخدام أدوات الضغط الصامتة، يصبح واضحًا أن المسألة تتعلق بإعادة ضبط موازين النفوذ، لا مجرد خلافات ثنائية… ومن لا يلتقط الإشارات الهادئة، قد يواجه نتائجها لاحقًا.
