إبداعات عربيةعاجلنحن والغرب

الحوار… وعالم الجواسيس

كتاب: سمير سليم

في كواليس السياسة الدولية، حيث تتوارى الابتسامات البروتوكولية خلف حسابات معقّدة، يبرز بُعدٌ خاص من أبعاد الدبلوماسية يكاد يلامس حافة المواجهة المباشرة: عالم الجواسيس. هناك، في المنطقة الرمادية بين الحرب والسلام، لا تُدار المعارك بالدبابات، بل بالمعلومات، ولا تُحسم بالصواريخ، بل بصفقات التبادل.

إن تاريخ تبادل الجواسيس بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، ولاحقًا بين واشنطن وموسكو، لم يكن مجرد إجراءات قانونية أو إنسانية، بل كان رسائل سياسية مشفَّرة تحمل دلالات رمزية عميقة. ولم يكن الموقع الذي شهد أبرز هذه العمليات أقل رمزية من الحدث ذاته.

على شريطٍ ضيّق يربط ضفتي نهر هافل، يمتد جسر غلينيكه، الذي كان يشكّل خط الحدود بين ألمانيا الشرقية وألمانيا الغربية. جسرٌ يصل بين عالمين منقسمين ونظامين متصارعين، حتى لُقِّب في الصحافة بـ«جسر التجسس». هناك، عام 1962، جرت واحدة من أشهر عمليات التبادل في التاريخ الحديث: الجاسوس السوفيتي رودولف أبيل مقابل الطيار الأمريكي فرانسيس غاري باورز، الذي أُسقطت طائرته فوق الأراضي السوفيتية. تحوّلت تلك العملية إلى نموذجٍ كلاسيكي لصفقات لاحقة، ورسّخت الجسر رمزًا لصراع الظلال.

ولم تقتصر عمليات التبادل على ضباط الاستخبارات أو على الأراضي الألمانية. ففي عام 1976، شهدت جنيف سابقة مختلفة، حين جرى تبادل المعارض السوفيتي فلاديمير بوكوفسكي بالزعيم الشيوعي التشيلي لويس كورفالان، في صفقة تجاوزت الطابع الأمني إلى أبعاد أيديولوجية واضحة.

ثم جاء عام 1979 بحدث أكثر حساسية، حين تبادلت الولايات المتحدة ضباط استخبارات سوفيت محتجزين لديها بمجموعة من المعارضين السوفيت. كانت تلك سابقة لافتة؛ إذ بادلت دولةٌ مواطنيها بمواطنين آخرين، رغم التناقض الأيديولوجي الحاد. وهنا لم يكن الأمر مجرد استعادة عناصر أمنية، بل إدارة دقيقة لصورة الدولة أمام العالم وأمام مواطنيها.

زر الذهاب إلى الأعلى