
كتب: محمد إسماعيل
سوف اتناول الحديث عن كتاب بعنوانه “الذكاء العاطفي تأليف عالم النفس والصحفي العلمي المعروف دانيال جولمان. هذا الكتاب فى اعتقادى واحد من الكتب المهمة جدًا في فهم الإنسان لنفسه، وموضوعه الأساسي بسيط في شكله، لكنه عميق في أثره: لأن الذكاء العقلي والشهادات التعليمية ليست كافية؟ إذن لماذا فهم المشاعر، وضبطها، والتعامل الإنساني مع النفس ومع الناس، هو العامل الحاسم في الحياة؟. وبالرغم من اهمال الكتاب للجوانب الاقتصادية فى المشكلة التى يناقشها إلا أن الكتاب مبني على أبحاث علم النفس معمقة ودراسات عن المخ وتجارب من الحياة اليومية. فكرته الأساسية تبين إن العقل مهم، لكن لو اشتغل من الخارج من غير وعي بالمشاعر، ممكن يقود لقرارات قاسية، أو علاقات مكسورة، أو تعب داخلي شديد.
لم استطع فصل الكتاب عن واقعنا في السودان. نحن نعيش حرب لا تهدم البيوت والشوارع فقط، لكنها تكسر الناس من الداخل بهدوء. خوف مستمر، غضب مكبوت، حزن طويل، وإحساس بالعجز. كثير منا اصبحوا شغالين في وضع “النجاة”: كيف يمر اليوم فقط . هذا. الكتاب يساعدك فى التوقف لحظة وأن تسأل نفسك: بماذا تشعر؟ ولماذا؟ هذا السؤال في حد ذاته مهم، لأنه يفصل بين إن تكون موجوع… وإن تتحول الى شخص مؤذى ليك ولغيرك.
من أكتر الحاجات التى لفتت انتباهى في الكتاب، حديثه عن الوعي بالنفس. إن تعرف مشاعرك وقت ما تحدث، وتسميها باسمها: هذا خوف، أو غضب، أو حزن. في زمن الحرب، الناس لماذا نوبات التعصب بسرعة؟، و لماذا نتعصب على بعضنا البعض، ليس لأنهم أشرار، لكن لأن الألم ما وجد لغة للتعبير عنه. فعندما نقول “أنا خائف”، ممكن تقولها صراخ. لما تقول “أنا متألم”، ممكن تطلع قسوة.
هذا الكتاب يعطيك لغة للتعبير.
كما أن لغة الكتاب شديدة الأهمية فى الحديث عن التربية العاطفية في سياقنا بالسودان .ففى الجانب المخصص للأطفال فإن أطفال السودان اليوم يحملون هواجز النزوح وفقد أكبر من أعمارهم. لو ما اتعاملنا مع مشاعرهم بوعي، هذا الألم ممكن يخرج في شكل عنف أو انكسار مستقبلا. ففى مرحلة التعليم لابد من تربية الطفل على القدرة على البوح مثل القول “أنا خايف” أو “أنا زعلان” بدلا من كتم المشاعر و خروجها فى شكل عنف، هذا في حد ذاته حماية له فى المستقبل.
كما يساعد الكتاب في الحفاظ على العلاقات وسط زمن الاستقطاب. فالحرب تقسم الناس، وتحول الاختلاف لعداوة. لذا يركز الكاتب على أن الذكاء العاطفي ما معناه تبرير الغلط، لكن فهم إن كثير من السلوكيات القاسية ناتجة من خوف وألم. هذا الفهم مهم جدًا في بلد مثل السودان، لأن لو خسرنا إنسانيتنا تجاه بعض، ما يتبقى لينا كثير.
الكتاب، لا يعدك بقوة زائفة، ولا بقول للتهدئة، لكن يعطيك طريقة أرحم تتعامل بها مع نفسك في زمن قاسي. لا يقول كن قوي دايمًا، لكن يقول كن واعي. والوعي هنا، في رأيي، هو الخط الفاصل بين الصمود الإنساني وبين إن الحرب.
ممكن تلك القراءة تساعدنا من غير ما نفقد نفسنا بالكامل.
