
معتز منصور – باحث سياسي
العمق الحقيقي في قراءة اللحظة الراهنة لا يتحقق عبر مراكمة المؤشرات العسكرية ولا عبر تضخيم نبرة التسريبات، بل عبر فهم التحول البنيوي الذي أصاب فكرة الحرب نفسها في السلوك الأمريكي والغربي عمومًا. نحن لا نقف أمام تأجيل ضربة ولا أمام تردد ظرفي، بل أمام نمط مستقر من إدارة التوتر بوصفه بديلًا وظيفيًا عن القرار، وبوصفه أيضًا أداة لإعادة إنتاج الهيمنة دون دفع كلفة الانفجار.
منذ سنوات، وتحديدًا بعد التجربة العراقية والأفغانية، لم تعد الحرب خيارًا مباشرًا وسهلًا في العقل الاستراتيجي الأمريكي. لم تختفِ من القاموس، لكنها فقدت يقينها. أصبحت عبئًا سياسيًا واقتصاديًا وأخلاقيًا، لا مجرد فعل قوة. لهذا تحولت واشنطن تدريجيًا من منطق الحسم إلى منطق الاستنزاف البطيء، ومن منطق الضربة القاضية إلى منطق الضغط المتراكم. في هذا السياق، يصبح الحشد العسكري رسالة قبل أن يكون مقدمة، ويصبح التهديد إدارة زمنية قبل أن يكون فعلاً.
عندما ننظر إلى ما يجري اليوم، علينا أن نخرج من سؤال “هل ستقع الحرب؟” إلى سؤال أعمق: لماذا يتم إبقاء الحرب في حالة حضور دائم دون تنفيذ؟ هذا السؤال يكشف البنية. الوجود العسكري الأمريكي الكثيف في الإقليم لا يهدف بالضرورة إلى الاستخدام، بل إلى تثبيت معادلة أن الخيار موجود، حاضر، لكنه مؤجل. هذا التأجيل بحد ذاته أداة. يؤثر على حسابات الخصوم، يربك الحلفاء، ويعيد ترتيب السلوك دون إطلاق رصاصة.
داخل هذا المنطق، يصبح البيت الأبيض، بما يمثله من مركز رمزي للقرار، مسرحًا للإدارة لا للإعلان. الاجتماعات، التسريبات، الزيارات العسكرية، كلها إشارات مدروسة بدقة. لا شيء عفويًا. في لحظة كهذه، لا يبحث صانع القرار عن أفضل توقيت للحرب، بل عن أفضل توقيت لعدمها، طالما أن عدمها يحقق أهدافًا قريبة من أهدافها دون تكلفتها. لهذا، لا تكفي قراءة ما يجري من زاوية عسكرية فقط، بل يجب تفكيكه كمنظومة حكم وإدارة.
التحليل السطحي يفترض أن التراكم يقود حتمًا إلى الانفجار. التحليل العميق يدرك أن التراكم قد يكون بديلاً عن الانفجار. كلما طال أمد التوتر دون كسره، ترسخت معادلات جديدة على الأرض. إيران تتكيف، لكنها تبقى تحت الضغط. الحلفاء يطمئنون، لكنهم يبقون في حالة تبعية. الأسواق ترتجف، لكنها لا تنهار. هذا هو التوازن الذي تسعى إليه واشنطن: توازن اللاقرار.
في المقابل، لا يمكن قراءة سلوك الأطراف المقابلة بوصفه اندفاعًا نحو الحرب. ما يسمى بمحور المقاومة لا يعمل بمنطق اللحظة، بل بمنطق التراكم المضاد. رفع الجاهزية، توسيع ساحات الضغط، اختبار الخطوط الحمراء، كلها أدوات لتوسيع هامش الردع، لا لكسر السقف دفعة واحدة. الدخول في حرب شاملة ليس فعلًا بطوليًا مجردًا، بل قرارًا وجوديًا يعادله ثمن وجودي. لهذا يتم اللعب على الحافة، لا القفز منها.
الصين هنا ليست تفصيلًا. حضورها الهادئ في الخلفية هو أحد العوامل الكابحة. الصين لا تتدخل لتمنع الحرب أخلاقيًا، بل لتمنع إعادة إنتاج نظام دولي أحادي بالقوة. وجودها الرقابي، التقني، الاستخباري، هو رسالة مفادها أن أي ضربة لن تكون نظيفة ولا معزولة. هذا وحده يكفي لجعل الحسابات الأمريكية أكثر ثقلًا، وأكثر بطئًا.
أما العامل الإعلامي، فهو أخطر من السلاح نفسه. تحويل الزمن إلى عد تنازلي، وتحويل التحليل إلى انتظار، هو في جوهره شكل من أشكال السيطرة. حين يقتنع الجمهور أننا على بعد يومين من الحرب، يفقد القدرة على التفكير البنيوي. يصبح أسير اللحظة، أسير القلق، أسير التحديثات. في هذا المناخ، لا يعود السؤال “لماذا؟”، بل “متى؟”. وهذا بالضبط ما يفرغ الوعي من مضمونه النقدي.
العمق هنا أن نفهم أن الحرب لم تعد حدثًا، بل أصبحت أفقًا. أفق يستخدم لضبط السلوك، لإعادة تشكيل التوازنات، ولإدارة الأزمات دون حلها. نحن نعيش في نظام توتر دائم، حيث التهديد مستمر، لكن التنفيذ مؤجل. حيث الحافة هي القاعدة، والاستثناء هو الاستقرار. هذا أخطر من الحرب نفسها، لأن الحرب تنتهي، أما التوتر الدائم فيعيد تشكيل المجتمعات والعقول والسياسات ببطء ودون ضجيج.
الخلاصة العميقة ليست أن الحرب قادمة أو غير قادمة، بل أن النظام الدولي يعيش لحظة انتقال لا يحسمها بالسلاح، بل بتجميد السلاح فوق الرؤوس. من يفهم هذا، يخرج من فخ التوقع ويدخل في فهم البنية. ومن يفهم البنية، لا ينجر خلف كل تسريب، ولا ينخدع بكل حشد، بل يسأل السؤال الأصعب: من يدير هذا التوتر، ولماذا يريد له أن يستمر؟.
