إبداعات عربيةالهلال الخصيبعاجل

“عقيدة أوسلو” في مفاوضات جنيف .. والرهان الإسرائيلي على لعبة ترمب

كتب: هانى الكنيسى 

قبل أيام من جولة المفاوضات الجديدة “الحاسمة” (كما يصفها الإعلام الغربي) في جنيف، وعلى وقع طبول الحرب والحشد العسكري الأمريكي غير المسبوق (منذ غزو العراق) في الشرق الأوسط، ومع تواتر التقارير والتحليلات “المتضاربة” بين توقع ضربة خاطفة مباغتة للمواقع النووية والمنشآت الحيوية الإيرانية والتكهن بعملية عسكرية طويلة ومعقّدة لا تتوقف إلا بإسقاط النظام، في حال الفشل “المرتقب” للمفاوضات .. لفتني مصطلح “عقيدة أوسلو” الذي اختاره الأكاديمي الإسرائيلي ‘يائير كلاينباوم’ في مقاله عن استراتيجية ترمب تجاه إيران. 

إذ يزعم الكاتب والباحث في الجامعة العبرية بالقدس أن الرئيس الأمريكي يبني استراتيجيته التفاوضية مع إيران على نسخة “معدّلة” من مفاوضات إسرائيل”السرية” مع منظمة التحرير الفلسطينية ورعاتها العرب في أوسل، والتي استندت -حسب زعمه- إلى تكنيك “إدارة التهديد المحتمل والتعايش مع كيان معادٍ منزوع الأسنان”. 

وبينما يذكّر الكاتب بما آلت إليه اتفاقيات أوسلو (الموقعة في 1993، و1995) من فشل أو “موت إكلينيكي” بمرور الزمن (لم يبق منها عمليًا إلا الاسم)، فإنه يدفع بأن ترمب استلهم من روحها “مسارا ثالثا” يتجاوز به عثرات المسارين اللذين راوحت واشنطن بينهما -لعقود- في التعامل مع إيران؛ وهما: “سياسة الاحتواء بالعصا والجزرة” (التي مكّنت إيران من تطوير برنامجها النووي، كما يرى البعض)، والعمل على “تغيير النظام” (وهو مسعى لم ينجح وغير قابل للتنبؤ بعواقبه إن نجح، كما يرى آخرون). 

يزعم ‘كلاينباوم’ أن منطق ترمب “الراهن” مرتبط بحسابات “التكلفة والفائدة” للناخب الأمريكي (نتيجة ضغوط مستشاريه عليه)، وبالسعي إلى إنهاء التهديد الإيراني “دون الانخراط في حرب لا نهاية لها، أو فوضى فراغ السلطة في طهران”. 

وفي سبيل ذلك، يخوض الأمريكيون الجولات النهائية من المحادثات ليس بطلب تغيير جذري في موقف إيران؛ وإنما بترك نظامها أمام خيار “البقاء مقابل نزع السلاح”، في محاولة واضحة لكسب الحرب “دون إطلاق الرصاصة التي تشعل فتيل حرب عالمية ثالثة”. 

ويلخّص الكاتب فحوى رسالة ترمب إلى المرشد الأعلى خامنئي في تخييره بين أمرين؛ أحلاهما مرّ: ١- التخلي عن كافة الطموحات النووية والباليستية “سلميًا” أو مشاهدتها وهي تُدمر بنيران أمريكية (أو إسرائيلية)، مع عدم الرد على ذلك عسكريًا .. لكي تحتفظ بنظامك الحاكم “حيًا على أجهزة التنفس الصناعي”. 

٢- المضي في التحدي العلني أو الرد العسكري، وفي هذه الحال ستتركز أهداف القصف على مخابئ الحرس الثوري وقصور القيادات. لتصفيتهم جميعا. 

ويرى الكاتب الإسرائيلي أن الجانب “الذكي” في هذه الخطة (التي يصفها بـ”الإذلال الاستراتيجي”)، يكمن في شرط “إذا – ثم”، باعتبار أن بقاء النظام “مرهون بصمته” بعد استهداف مواقعه النووية والصاروخية. وهنا، يخلق ترمب معضلةً “مزدوجة” للحرس الثوري الإيراني؛ فإذا ردّوا بجدية على الضربة الأمريكية فسيُوقّعون على حكم إعدامهم بأنفسهم، وإذا لم يفعلوا فسيبقون في السلطة لكنهم سيفقدون هيبتهم الإقليمية (وربما الداخلية) للأبد.

وكغيره من دعاة الفكر الصهيوني، يدفع ‘كلاينباوم’ بأن الرهان الأمريكي على إبقاء نظام الملالي “خطأ جوهري لأن عدم قطع رأس الأفعى سيسمح بأن تنمو لها أنياب جديدة”. 

ويختم الكاتب مقاله بالتأكيد على أنه لكي تنجح “عقيدة أوسلو” التي يتبنّاها فريق ترمب في المفاوضات، يجب أن يقترن التحييد العسكري لإيران بحصار اقتصادي لا هوادة فيه، قائلًا بالنص: “الهدف ليس مجرد إيران غير نووية، بل إيران مُنهكة بفقدان أصولها الاستراتيجية ومصدر رزقها الأساسي، بحيث ينهار النظام في نهاية المطاف من الداخل”. 

ثم لا يلبث أن يحذّر من أنه إذا فشلت هذه الاستراتيجية الترمبية، فستكون إسرائيل أمام “نظام جريح متعطش للانتقام، لا يملك ما يخسره”.

زر الذهاب إلى الأعلى