هل تستطيع أمريكا غزو “قلاع” إيران العسكرية؟
قراءة في تعقيدات الخيار العسكري البري وحدود القوة الجوية

بقلم: مصطفى السعيد
في ظل التصعيد العسكري المتواصل بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، يتجدد الحديث عن السيناريو الأكثر خطورة في المنطقة: الغزو البري لإيران. ورغم التهديدات السياسية والتصريحات المتشددة، تشير المعطيات الميدانية والجغرافية والعسكرية إلى أن هذا الخيار يظل واحدًا من أكثر السيناريوهات تعقيدًا وكلفة في التاريخ العسكري الحديث.
حياة طبيعية ورسائل تحدٍ في الداخل الإيراني
رغم الغارات الجوية والتوتر الإقليمي، تبدو الحياة داخل إيران، وفق تقارير إعلامية غربية، أقرب إلى الوضع الطبيعي. فالمحال التجارية مفتوحة، والمقاهي تستقبل روادها، والناس يواصلون حياتهم اليومية في المدن الكبرى.
كما تشهد العاصمة طهران وعدد من المدن الإيرانية مسيرات شعبية تخرج بعد الإفطار خلال شهر رمضان، يرفع المشاركون فيها شعارات مناهضة للولايات المتحدة وإسرائيل. وتشير تقارير إعلامية إلى أن هذه التحركات تعكس حالة تعبئة داخلية، في وقت تؤكد فيه بعض التقديرات الاستخباراتية الغربية عدم وجود مؤشرات واضحة على انقسامات داخلية أو احتجاجات معارضة واسعة.
تراجع الخطاب من “إسقاط النظام” إلى “التفاهم”
في خضم هذه التطورات، بدا أن الخطاب السياسي الأمريكي شهد تحولًا ملحوظًا. فبعد حديث سابق عن إمكانية إسقاط النظام الإيراني، بدأت التصريحات تميل نحو فكرة التوصل إلى تفاهمات سياسية مع القيادة الإيرانية، أو الوصول إلى صيغة اتفاق جديد يحدد طبيعة العلاقة بين الطرفين.
ويعكس هذا التحول إدراكًا متزايدًا لتعقيدات المواجهة مع دولة بحجم إيران، سواء من حيث الجغرافيا أو القدرات العسكرية أو الامتداد الإقليمي.
معضلة الغزو البري
يطرح الحديث عن اجتياح بري لإيران سؤالًا جوهريًا: من سيقوم بهذه العملية؟
فإيران دولة واسعة المساحة تتجاوز مساحتها 1.6 مليون كيلومتر مربع، ويبلغ عدد سكانها أكثر من 80 مليون نسمة، كما تمتلك قوات مسلحة كبيرة تشمل الجيش النظامي والحرس الثوري وقوات التعبئة الشعبية.
وقد ترددت تكهنات حول إمكانية الاعتماد على مجموعات مسلحة أو قوات غير نظامية للتسلل عبر الحدود، إلا أن أي محاولات محدودة من هذا النوع غالبًا ما تواجه ردودًا سريعة من القوات الإيرانية، خاصة في المناطق الحدودية التي تشهد انتشارًا أمنيًا كثيفًا.
كما أن دول الجوار نفسها تدرك حساسية أي مشاركة مباشرة في عمليات عسكرية واسعة ضد إيران، نظرًا لما قد يترتب على ذلك من تداعيات أمنية وإقليمية معقدة.
الجغرافيا… الحصن الأكبر
أحد أبرز العوامل التي تجعل الغزو البري لإيران بالغ الصعوبة هو طبيعتها الجغرافية القاسية.
فإيران محاطة بسلاسل جبلية ضخمة تشكل حواجز طبيعية هائلة، أبرزها:
جبال زاجروس الممتدة على طول غرب وجنوب غرب البلاد.
جبال البرز في الشمال، والتي تضم قممًا شاهقة يصل ارتفاع بعضها إلى أكثر من خمسة آلاف متر.
هذه التضاريس تجعل الحركة العسكرية البرية شديدة التعقيد، كما توفر مواقع طبيعية مناسبة للتحصينات العسكرية والانتشار الدفاعي.
مدن عسكرية تحت الأرض
خلال العقود الماضية، اعتمدت إيران استراتيجية دفاعية تقوم على إنشاء بنية عسكرية عميقة تحت الأرض، خاصة في المناطق الجبلية.
وتشير تقارير عسكرية إلى وجود شبكة من المنشآت المحصنة تشمل:
مخازن للصواريخ الباليستية
مصانع للطائرات المسيّرة
قواعد إطلاق محصنة
أنفاق عسكرية واسعة
مراكز قيادة تحت الأرض
كما يُعتقد أن بعض القواعد البحرية الإيرانية شُيّدت داخل الجبال القريبة من السواحل، مع ممرات مائية تسمح بخروج الزوارق والغواصات إلى البحر ثم العودة إلى قواعدها المحصنة.
حدود القوة الجوية
في المقابل، تعتمد الولايات المتحدة في استراتيجيتها العسكرية عادة على التفوق الجوي والضربات الدقيقة. لكن المنشآت العميقة تحت الأرض تفرض تحديًا تقنيًا، إذ يتطلب تدميرها ذخائر خاصة خارقة للتحصينات، وهي أسلحة مكلفة ومحدودة العدد مقارنة بحجم الأهداف المحتملة.
كما أن توزيع المنشآت العسكرية الإيرانية في مناطق جبلية واسعة يزيد من صعوبة استهدافها بالكامل عبر الضربات الجوية وحدها.
معادلة الردع المتبادل
كل هذه العوامل تجعل من المواجهة مع إيران حربًا عالية المخاطر، سواء بالنسبة للقوى التي قد تفكر في غزوها أو بالنسبة للاستقرار الإقليمي عمومًا.
فإيران لا تعتمد فقط على دفاعاتها الداخلية، بل تمتلك أيضًا شبكة من الحلفاء الإقليميين وأدوات الردع غير التقليدية، ما يعني أن أي صراع واسع قد يمتد سريعًا إلى مناطق متعددة في الشرق الأوسط.
خلاصة
رغم الخطاب السياسي المتصاعد والسيناريوهات العسكرية المطروحة في الإعلام، تشير المعطيات الجغرافية والعسكرية إلى أن غزو إيران بريًا يظل خيارًا بالغ التعقيد والكلفة. فالدولة التي تحيط بها الجبال، وتضم منشآت عسكرية عميقة تحت الأرض، وتملك قوات كبيرة وخبرة طويلة في الحروب غير المتكافئة، تبدو أقرب إلى “قلعة جغرافية” يصعب اقتحامها.
وفي ظل هذه المعادلة، يبقى السؤال المطروح في الأوساط الاستراتيجية:
هل يمكن حسم الصراع عسكريًا، أم أن النهاية الحقيقية لأي مواجهة ستكون على طاولة المفاوضات؟
