الشرق قادمعاجلمقالاتنحن والغرب

ليندسي غراهام… صديق الأقليات أم رجل المصالح؟

بقلم: أرنست وليم

في السنوات الأخيرة، اعتاد بعض الناشطين، خصوصًا بين الأقليات في الشرق الأوسط، تقديم السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام بوصفه “صديقًا” لقضاياهم. ويستند هذا التصور إلى تصريحات ومواقف أدلى بها حول أوضاع بعض الأقليات الدينية أو القومية في المنطقة، مثل الأقباط في مصر أو الأكراد في سوريا والعراق. غير أن قراءة أعمق لمسيرته السياسية تكشف أن الصورة أكثر تعقيدًا مما يبدو في الخطاب المتداول.

فغراهام ليس سياسيًا ليبراليًا في مجال حقوق الإنسان، بل يُعد أحد أبرز وجوه التيار الجمهوري المحافظ المعروف بدعمه لسياسات التدخل الخارجي واستخدام القوة العسكرية الأمريكية. وخلال سنواته الطويلة في مجلس الشيوخ، دعم بشكل واضح تدخلات عسكرية أمريكية في عدة مناطق من العالم، بدءًا من الحرب في العراق وصولًا إلى الدعوات المتكررة لتصعيد المواجهة مع إيران.

في هذا الإطار، يبدو اهتمامه بقضايا الأقليات جزءًا من رؤية أوسع للسياسة الخارجية الأمريكية، لا مشروعًا مستقلًا للدفاع عن حقوق الإنسان. فبالنسبة لكثير من صقور السياسة في واشنطن، يمكن أن تتحول قضايا الأقليات إلى أدوات ضغط أو أوراق تفاوض ضمن الصراع الجيوسياسي في الشرق الأوسط.

تجربة الأكراد تقدم مثالًا واضحًا على ذلك. فقد حظوا بدعم أمريكي ملحوظ خلال الحرب على تنظيم داعش، لكن هذا الدعم كان مرتبطًا في الأساس بالاعتبارات العسكرية والاستراتيجية. وعندما تغيّرت الحسابات السياسية، تراجعت الحماية الأمريكية سريعًا. وقد تجلّى ذلك بوضوح عندما سمحت إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب عام 2019 بعملية عسكرية تركية ضد القوات الكردية في شمال سوريا، وهو ما كشف هشاشة الاعتماد على التحالفات الظرفية في السياسة الدولية.

الأمر ذاته ينطبق على الخطاب الأمريكي حول حماية الأقليات الدينية. فبينما يرفع بعض السياسيين في واشنطن شعارات الدفاع عن حرية الدين، فإن هذا الخطاب غالبًا ما يُستخدم في إطار الضغط السياسي أو إدارة الصراع مع الحكومات الإقليمية، أكثر مما يعكس التزامًا طويل الأمد بحماية تلك المجتمعات.

هنا تكمن المفارقة. فبعض الناشطين من الأقليات يرون في شخصيات مثل ليندسي غراهام حلفاء محتملين يمكن الاستفادة من نفوذهم داخل دوائر القرار في واشنطن. لكن التجربة التاريخية تشير إلى أن السياسة الأمريكية تُدار في المقام الأول وفق حسابات المصالح الاستراتيجية، لا وفق اعتبارات التعاطف أو الالتزام الأخلاقي.

وفي عالم العلاقات الدولية، لا توجد صداقات دائمة، بل مصالح دائمة. والسياسي الذي يدعم قضية معينة اليوم قد يتخلى عنها غدًا إذا تغيرت المعادلات السياسية أو الأمنية.

من هنا، فإن النظر إلى شخصيات مثل غراهام بوصفها “حامية للأقليات” قد يكون قراءة مبسطة للسياسة الأمريكية. فالرجل ينتمي إلى تيار يرى الشرق الأوسط أساسًا من زاوية الأمن القومي الأمريكي وإدارة الصراعات الإقليمية، لا من زاوية بناء منظومة مستقرة لحقوق الإنسان.

والدرس الذي تكرر أكثر من مرة في تاريخ المنطقة هو أن القوى الكبرى قد تستخدم قضايا الأقليات كورقة ضمن لعبة سياسية أكبر. لكن عندما تنتهي الحاجة إلى هذه الورقة، غالبًا ما تُطوى الصفحة سريعًا، بينما تبقى المجتمعات المحلية وحدها في مواجهة تعقيدات الواقع.

وفي النهاية، قد يظل السؤال مطروحًا: هل يمكن الاعتماد على وعود السياسيين في واشنطن لحماية الأقليات في الشرق الأوسط؟ أم أن التجارب المتكررة تثبت أن السياسة الدولية، في جوهرها، لا تحكمها العواطف بل المصالح؟

 

زر الذهاب إلى الأعلى