الهلال الخصيبمقالات

هل يصنع دونالد ترامب “فيتنام” جديدة في إيران؟ ورطة النصر و”أسفين” نتنياهو

بقلم أرنست وليم 

كان يمكن لأوكرانيا أن تكون أفغانستان ثانية لروسيا، مستنقعًا يستنزفها لعقود. واليوم، ونحن في الأسبوع الثاني من إعلان دونالد ترامب قصفه لإيران و”عمليته العسكرية” — “ليست حربًا” — والتي كان من المقرر لها، بحسب تطمينه لجمهوره، أن تستمر أربعة أيام، صارت أربعة أسابيع، ثم صارت مفتوحة إلى أن تتحقق أهدافها. ثم قيل إنها نجحت وانتهت المهمة، ولكن بعد الانتصار نريد تحقيق انتصار ثانٍ وثالث ورابع. وكما كانت النكتة عن بلدياتنا: كلما بينقط يكسب قفا، فلماذا يتوقف؟ الآن يخشى حتى بعض الجمهوريين — ممن بقي فيهم شيء من العقل — أن يكون رئيسهم قد وجد “فيتنامه” الخاصة به، وبهم؛ بل فيتنامًا عالمية، الكل موحل فيها إلا روسيا والصين.

دونالد ترامب، الذي بنى خطابه السياسي على وعد بعدم التورط في حروب استنزاف جديدة، يجد نفسه اليوم في موقف لا يُحسد عليه. فمن يملك القوة ويفتقر إلى العقل يظن أن النصر يُعلن ببيان، ولغو كلام، وهلس يخرج من فاه. والعجيب أن هناك من يجد فيما ينطق به السفيه حكمة وخارطة طريق إلى جنة هرمجدون، لا إلى جهنم بمسيخ دجال!

انتقلنا فعليًا من “ضربة وقائية” إلى “مستنقع استراتيجي”. في الأيام الأولى للهجوم بدت الضربة الأمريكية-الإسرائيلية المشتركة وكأنها نزهة عسكرية: اغتيال علي خامنئي، وتدمير منشآت نووية، وإسكات الدفاعات الجوية الإيرانية. لكن سرعان ما تحولت النشوة إلى صراع وجودي. فإيران مشروع إمبراطوري له أذرع تمتد من لبنان إلى اليمن، وله قدرة على إيذاء الاقتصاد العالمي في مضيق هرمز لا تمتلكها لا طالبان ولا فيتنام.

هنا تبدأ ورطة ترامب الحقيقية. الإدارة قدمت تفسيرات متضاربة للأهداف: جي دي فانس يتحدث عن منع السلاح النووي، وماركو روبيو يقول إننا تحركنا لأن إسرائيل كانت ستهاجم، بينما يعلن دونالد ترامب صراحة عن تغيير النظام، ثم يقبل بنظام موالٍ ولو كان على رأسه — ليست عمة الولي الفقيه بل الفقيه نفسه! أما ما يفعله بالشعب فذلك شأن الشعب.

عندما يكون صوت البيت الأبيض مشوشًا، فهذا يعني أن صانع القرار لا يعرف إلى أين يتجه. لا أظن عاقلًا قادرًا على معرفة سبب دخول أمريكا الحرب فعلًا، أو لديه تصور كامل لليوم التالي لاغتيال رأس النظام — سوى أن بنيامين نتنياهو يصنع حربه بالبقرة الحمراء الأمريكية.

النائب الجمهوري إيلي كرين — وبلاش الديمقراطيين “الأوغاد” و”اليسار المنبطح” — يحذر من أن “العمليات العسكرية يمكن أن تنحرف بسرعة”. هكذا وقع ليندون جونسون في فخ حرب فيتنام مرة من قبل.

وما لم يفهمه ترامب هو أن إيران لا تقاتل وحدها؛ فهي تقاتل بورقة استراتيجية اسمها “تعطيل الاقتصاد العالمي”. إغلاق مضيق هرمز — حتى لأيام — يعني صدمة نفطية تعيد إلى الأذهان أزمات السبعينيات، وربما تقلب الأزمة إلى ما يشبه الكساد العظيم عام 1929، مقدمةً لاضطرابات كبرى كالتي سبقت الحرب العالمية الثانية.

كابوس ما بعد السقوط: حين تكون إيران فارغة إلا من المسلحين

لنفترض جدلًا أن النظام سقط. هل سنحظى بديمقراطية على الطريقة الألمانية؟ أم سنحصل على صوملة جديدة مسلحة حتى الأسنان؟ بل ربما “عرقنة” جديدة بعد سقوط صدام حسين: حاربنا القاعدة، لكننا مهدنا الطريق لظهور تنظيم الدولة الإسلامية.

التحليلات المتفائلة تتحدث عن 250 ألف عنصر في الحرس الثوري، مع احتياطي يصل إلى 900 ألف مسلح. هؤلاء الرجال، الذين أتقنوا على مدى 47 عامًا فنون القتال في الشوارع وإدارة الميليشيات، لن يختفوا لمجرد سقوط طهران. إما أن يندمجوا في المجتمع — وهو سيناريو متفائل لكنه غير واقعي — أو يتحولوا إلى جماعات عقائدية مسلحة تعيد إنتاج تنظيمات متطرفة، ولكن بنسخة أكثر تنظيمًا وثأرية.

عودة الإرهاب بوتيرة أعلى

أحد أخطر الأوراق هو “الهجمات الانتقامية النوعية”. إيران طورت على مدى عقود خلايا نائمة في أوروبا وأمريكا اللاتينية. بعد سقوط النظام قد تجد هذه الخلايا نفسها بلا قيادة مركزية، لكنها لن تجد نفسها بلا دوافع. بعضها قد يتحول إلى مرتزقة لمن يدفع أكثر، وبعضها قد يندمج مع تنظيمات متطرفة مثل تنظيم القاعدة أو تنظيم الدولة الإسلامية.

ترامب ونتنياهو… والخيانة المتوقعة

دونالد ترامب ليس بيل كلينتون ولا جو بايدن؛ فدعمه لإسرائيل في كثير من الأحيان يبدو أقرب إلى دعم “معاملاتي” يخدم علاقته بالإنجيليين ويحرج الديمقراطيين. ولهذا، إذا شعر أن بنيامين نتنياهو يقف بينه وبين “صفقة كبرى” أو “نصر يعلنه بنفسه”، فلن يتردد في التضحية برئيس الوزراء الإسرائيلي.

إذا انقلب ترامب على نتنياهو غدًا، فقد يقدمه كبش فداء لامتصاص غضب الناخب الأمريكي الذي سئم دفع فواتير الحروب.

الخطر ليس في شن الحرب — فالولايات المتحدة تشن حروبًا منذ قرن — بل في إدارة ما بعد الحرب بطريقة طائشة، ببدايات فيها غباء ورعونة وفقدان للهدف.

ترامب يريد إعلان النصر غدًا، لكن إيران تمتد من الخليج إلى البحر المتوسط. حتى لو سقط النظام، فالميليشيات العقائدية التي سترث الأرض قد تكون أكثر شراسة، لأنها ستقاتل من أجل البقاء لا من أجل النظام.

العالم إذن أمام احتمالين:

إما استمرار التهديد من مضيق هرمز وصواريخ باليستية تُطلق من مواقع متناثرة،

وإما تحول إيران إلى “عراق جديدة” أو “صومال جديدة” في قلب الشرق الأوسط، تعود فيها الجماعات الإرهابية أحزابًا متناحرة، ويصبح الإرهاب النوعي في أوروبا وأمريكا سلاحًا على رقاب من صنع الحرب.

الرئيس الذي وعد بكسب الحروب دون خوضها يجد نفسه اليوم أمام معضلة وجودية: النصر سهل، لكن إدارة الانتصار مستحيلة. وعندما يملك الإنسان القوة ويفتقر إلى العقل، يصبح العالم كله في مهب الريح.

وحدها الأيام المقبلة ستخبرنا إن كان دونالد ترامب سيصنع “فيتنام” إيرانية تنافس في أهوالها حرب فيتنام الأمريكية الأصلية.

الخاسر الأكبر — أو من خسارة إلى خسارة — هو الشعب الذي يتشدق باسمه الجميع ليعطي معنى لما لا معنى له: الشعب الإيراني نفسه.

فهل ما يجري تحرير لإيران من نظام ثيوقراطي قمعي؟ أم تحرير للشعب من إيران؟

وإذا سقط النظام فعلًا، فهل نحن أمام ولادة وحش جديد اسمه “الفوضى المسلحة”؟ أم أن الحرب ستستبدل نظامًا ثيوقراطيًا بنظام ميليشياوي عقائدي حتى الدم؟

زر الذهاب إلى الأعلى