حرية التعبير أم وظيفة للعدو

بقلم: معتز منصور – كاتب وباحث سياسي
في لبنان لم تعد المشكلة مجرد اختلاف في الرأي أو انقسام سياسي حول المقاومة أو دورها في معادلات المنطقة. هذه أمور طبيعية في بلد تشكل الانقسامات جزءا من تاريخه السياسي. المشكلة الحقيقية تبدأ عندما يتحول مفهوم حرية التعبير إلى قناع رخيص يختبئ خلفه سلوك آخر تماما، سلوك لا علاقة له بالنقاش العام ولا بحرية الرأي، بل يقترب في جوهره من أداء وظيفة مباشرة في حرب يخوضها عدو خارجي ضد البلد نفسه.
حين تنشر وسيلة إعلامية خريطة تحدد مواقع في الضاحية الجنوبية وتربطها بالحزب، في اللحظة التي تحلق فيها الطائرات الإسرائيلية فوق لبنان بحثا عن أهداف، فإن ما يحدث لا يمكن وصفه بالعمل الصحافي بأي معنى من المعاني. هذه ليست مادة إعلامية، وليست تحقيقا استقصائيا، بل معلومة عملياتية توضع على الطاولة أمام من يبحث عن بنك أهداف. عند هذه النقطة يختفي تماما الفارق بين الصحافة والعمل الاستخباراتي. الصحافي الذي يضع الإحداثيات أمام طائرات تقصف بلده لا يمارس حرية التعبير، بل يؤدي وظيفة ميدانية في حرب قائمة.
الأمر لا يتوقف عند هذا الحد. هناك فئة من الكتّاب والمعلقين تحولت كتاباتهم إلى مستنقع مفتوح للحقد السياسي والطائفي. لا محاولة للفهم، ولا نقاش جدي حول الخيارات الوطنية، بل خطاب مشبع بالتشفي تجاه مكوّن لبناني كامل لأن بيئته السياسية تقف مع المقاومة. هنا لا تسقط المهنية فقط، بل يسقط الحد الأدنى من الأخلاق العامة. الصحافة التي تُبنى على الكراهية لا تصنع رأيا عاما، بل تصنع مجتمعا ممزقا أكثر مما هو ممزق أصلا.
لكن المشهد الأكثر انحدارا يظهر بوضوح في الفضاء الرقمي. هناك من ينتظر أخبار القصف كما ينتظر خبرا سعيدا. يتعامل مع استهداف أحياء لبنانية وكأنه انتصار شخصي. يوزع الشماتة بلا خجل عند سماع خبر استشهاد عناصر من الحزب، بل إن بعضهم يذهب أبعد من ذلك فيتعامل مع أي تقدم ميداني إسرائيلي كأنه إنجاز يستحق الاحتفاء والترويج.
هذه ليست مجرد مواقف سياسية متطرفة، بل حالة انحدار أخلاقي كامل. كيف يمكن لإنسان يعيش في بلد يتعرض للقصف أن يجد في هذا القصف مادة للفرح؟ ما الذي يحدث في الوعي الجمعي حتى يصبح الدمار خبرا مفرحا؟ عند هذه النقطة لا يعود الحديث عن اختلاف في الرأي، بل عن تصدع عميق في معنى الانتماء نفسه.
في كل دول العالم توجد حدود واضحة بين حرية التعبير وبين الأفعال التي يمكن أن تساعد عدوا أثناء النزاع. إن القانون الدولي الإنساني، الذي تقوم عليه اتفاقيات جنيف، يتعامل بصرامة مع أي سلوك يمكن أن يساهم في تسهيل العمليات العسكرية أو تعريض المدنيين للخطر.
بمعنى آخر، حتى أكثر الدول تمسكا بحرية التعبير لا تقبل أن تتحول هذه الحرية إلى قناة لنقل المعلومات إلى عدو يخوض حربا. ومع ذلك يظهر في لبنان من يتصرف وكأن البلد يعيش خارج كل هذه القواعد.
الأخطر من مجرد نشر المعلومات هو التحول إلى منصة دعائية كاملة للخطاب الإسرائيلي. هناك من يكرس حضوره الإعلامي بالكامل لإعادة بث التصريحات الإسرائيلية، ولكن حصرا تلك التي تبث الخوف والانقسام واليأس داخل المجتمع اللبناني. لا تحليل ولا تفكيك ولا قراءة نقدية، بل نقل مباشر للدعاية العسكرية كما هي، ثم توزيعها في الفضاء العام وكأنها حقيقة مطلقة.
هذا السلوك لا يعكس جرأة فكرية كما يحب أصحابه أن يدّعوا. الجرأة الفكرية تعني القدرة على النقد والبحث عن الحقيقة ومواجهة السلطة بالحجة. أما ما يجري هنا فهو شيء مختلف تماما: محاولة لتصفية حسابات سياسية داخلية عبر الاستقواء بخطاب القوة التي تضرب البلد.
لهذا يجب تسمية الأشياء بأسمائها دون مواربة. النقد ليس خيانة، والمعارضة ليست عمالة. لكن حين تتحول الكلمة إلى إحداثية هدف، وحين تتحول المنصة الإعلامية إلى صدى للدعاية العسكرية للعدو، وحين يصبح القصف مادة للتشفي والاحتفال، فإن الحديث عن حرية التعبير يتحول إلى خدعة لغوية لا أكثر.
الحرية لا تعني أن يتحول الإنسان إلى بوق لمن يقصف بلده، ولا أن يقدم له خدمة تحت غطاء الصحافة أو التعليق السياسي. الحرية مسؤولية قبل أن تكون شعارا. وعندما تختفي المسؤولية، لا يبقى من الحرية سوى الاسم، ويبقى الفعل شيئا آخر تماما: مشاركة فعلية في حرب ضد بلد.
