الشرق قادمعاجلمقالات

لهذا يتراجع ترامب… وتنتصر إيران

بقلم: مصطفى السعيد
لم يعد المشهد مجرد صراع تقليدي بين قوتين متقابلتين، بل تحوّل إلى اختبار قاسٍ لحدود القوة الأمريكية وقدرتها على فرض الإرادة في بيئة إقليمية شديدة التعقيد. ومع مرور الوقت، تبدو كل المخارج التي يمكن أن تمنح واشنطن وتل أبيب “نصراً واضحاً” على إيران شبه مغلقة، إن لم تكن مستحيلة.
الخيار العسكري المباشر، وعلى رأسه الغزو البري، يظل الأكثر كلفة والأقل واقعية. فإيران ليست ساحة مفتوحة يمكن حسمها بضربة خاطفة، بل مساحة جغرافية شاسعة، محصّنة بطبيعة قاسية وبنية دفاعية متعددة الطبقات، تجعل أي تقدم بري مغامرة محفوفة بالخسائر. وحتى السيناريوهات المحدودة، مثل السيطرة على جزر استراتيجية قرب مضيق هرمز، تبدو أقرب إلى مقامرة عسكرية غير محسوبة، حيث تتحول القوات المهاجمة إلى أهداف مكشوفة في بيئة معادية، تعج بالصواريخ والطائرات المسيّرة والألغام البحرية.
أما الرهان على الداخل الإيراني، سواء عبر تحريك احتجاجات أو التعويل على صعود قيادات أكثر مرونة، فقد أثبت محدوديته. فالنظام الإيراني، رغم الضغوط، لا يزال متماسكاً بما يكفي لامتصاص الصدمات، بل وتوظيفها لتعزيز تماسكه الداخلي في مواجهة “الخطر الخارجي”.
يبقى خيار الضربات الجوية الواسعة، خصوصاً ضد البنية التحتية للطاقة، أحد السيناريوهات المطروحة. غير أن هذا الخيار لا يقل خطورة، إذ إن كلفته الحقيقية لا تكمن في تنفيذ الضربة، بل في الرد الإيراني المتوقع. فطهران أعلنت بوضوح أن أي استهداف شامل لمنشآتها الحيوية سيقابله رد مماثل، قد يطال بنى تحتية حساسة في إسرائيل، إضافة إلى مصالح أمريكية وقواعد عسكرية في المنطقة، بل ودولاً تعتمد بشكل كبير على محطات الكهرباء وتحلية المياه. وفي بيئة مناخية قاسية كالخليج، فإن ضرب هذه المنشآت قد يؤدي إلى أزمات إنسانية ونزوح واسع، وهو سيناريو لا يمكن لدول المنطقة القبول به.
أما الخيار النووي، حتى وإن طُرح كحل أخير، فهو أشبه بالقفز في المجهول. استخدام سلاح نووي، ولو بشكل محدود، لن يمر دون تداعيات عالمية غير مسبوقة، تبدأ بانفجار الغضب الشعبي الدولي، ولا تنتهي عند اهتزاز مكانة الولايات المتحدة نفسها، وفتح أبواب مواجهة غير قابلة للضبط.
في ضوء هذه المعادلة المعقدة، يتضح أن المشكلة الأساسية لا تكمن فقط في صعوبة تحقيق النصر، بل في أن معظم الخيارات المطروحة تحمل في طياتها احتمالات هزيمة استراتيجية. وهنا تحديداً، يجد صانع القرار الأمريكي نفسه أمام مأزق حقيقي: كيف يخرج من التصعيد دون أن يبدو مهزوماً؟
من هذا المنطلق، يصبح البحث عن “صورة انتصار” أمراً مفهوماً. قد تتمثل هذه الصورة في ضربة جوية محدودة، أو عملية استخباراتية نوعية، أو حتى تصعيد محسوب يمكن تسويقه داخلياً كإنجاز. لكنها، في جوهرها، تظل محاولة لتجميل واقع أكثر تعقيداً، حيث لم تعد القوة العسكرية وحدها كافية لفرض النتائج.
الحقيقة التي تتكشف تدريجياً هي أن ميزان القوة في المنطقة لم يعد يسمح بحسم سريع أو نصر حاسم، وأن الاستمرار في سياسة حافة الهاوية قد يقود إلى نتائج عكسية. وبينما يقترب المشهد من لحظة إعادة التموضع، يبدو أن واشنطن قد تضطر في النهاية إلى القبول بمسار سياسي أقل بكثير مما كانت تطمح إليه قبل اندلاع هذه المواجهة.
هكذا، لا يكون التراجع خياراً تكتيكياً فحسب، بل ضرورة استراتيجية لتفادي هزيمة أكبر. وفي المقابل، لا يعني “انتصار” إيران حسم المعركة، بقدر ما يعكس قدرتها على الصمود وإفشال أهداف خصومها. وبين هذا وذاك، تبقى المنطقة مفتوحة على احتمالات متعددة، عنوانها الأبرز: توازن هش، وصراع لم يقل كلمته الأخيرة بعد.

زر الذهاب إلى الأعلى