أخبارعاجلمقالاتملفات

خطيئة نتنياهو وترامب: حين تتحول الحرب إلى هدية استراتيجية لإيران

بقلم: سامح عسكر

لم تكن الحرب الأخيرة مجرد مواجهة عسكرية تقليدية، بل لحظة فاصلة أعادت تشكيل وعي دولة بحجم ، وغيرت مسارها من الداخل قبل الخارج. ما حدث – في تقديري – لم يكن إضعافاً لإيران كما تصور صانع القرار في أو لدى حكومة ، بل كان على العكس تماماً: إعادة إحياء لدولة كانت تعاني من أزمات مركبة، ومنحها فرصة تاريخية لإعادة تعريف نفسها.

قبل الحرب، كانت إيران تتحرك بعقلية براغماتية، تحاول الموازنة بين الضغوط الدولية ومصالحها الإقليمية. كانت تعاني اختراقات أمنية واضحة، وتعيش تحت وطأة عقوبات أنهكت اقتصادها لعقود، بينما ظل ملف خلافة قنبلة موقوتة تهدد استقرارها الداخلي.

لكن قرار التصعيد – الذي ارتبط بسياسات و – قلب المعادلة بالكامل.

أولاً، لم تعد إيران تلك الدولة التي تحسب خطواتها وفق منطق التهدئة. الحرب نقلتها إلى منطق القوة الصريحة، حيث لا مكان للاسترضاء، بل لفرض الوقائع. وهذه النقلة – شئنا أم أبينا – هي ما تصنع النفوذ الحقيقي في عالم تحكمه موازين القوة أكثر من القيم.

ثانياً، الحرب أعادت بناء الداخل الإيراني. فجأة، تحولت الانقسامات إلى وحدة، والتناقضات إلى تماسك. المجتمعات في أوقات الخطر الوجودي تعيد تعريف نفسها، وهذا ما حدث داخل إيران: انتفاضة شاملة أمنياً وفكرياً وسياسياً جعلت اختراقها أكثر صعوبة من أي وقت مضى.

ثالثاً، وعلى عكس ما يُروّج، لم تعد العقوبات بنفس الفاعلية. مع تصاعد التوتر في ممرات استراتيجية مثل ، باتت إيران تمتلك أوراق ضغط اقتصادية لم تكن متاحة لها في زمن “السلام البارد”، ما منحها قدرة أكبر على المناورة وكسر القيود المفروضة عليها.

رابعاً، حتى الملفات الأكثر تعقيداً – مثل الخلافة السياسية – وجدت طريقها للحسم تحت ضغط الحرب، حيث تتراجع الخلافات الداخلية أمام ضرورات البقاء.

الخلاصة التي قد تبدو صادمة للبعض: الحرب، بكل مآسيها، قد تكون – من زاوية معينة – أفضل لإيران من حالة الاستنزاف الصامت التي عاشتها لسنوات. “حروب الظل” التي كانت تُدار ضدها عبر الاختراقات والإعلام والعقوبات، فقدت كثيراً من تأثيرها أمام واقع المواجهة المباشرة.

هذا لا يعني أن الحرب خيار مثالي أو بلا كلفة، بل يعني أن سوء تقدير الخصم قد يحول أدوات الضغط إلى مصادر قوة. وهنا تحديداً تكمن “الخطيئة”: حين يظن صانع القرار أنه يضعف عدوه، بينما هو في الحقيقة يعيد تشكيله بصورة أكثر صلابة.

في النهاية، قد لا يكون السؤال: من بدأ الحرب؟

بل: من استفاد منها 

زر الذهاب إلى الأعلى