نهاية الحرب خارج الإرادة الإسرائيلية

معتز منصور – كاتب وباحث سياسى
قبل الإعلان الرسمي عن وقف إطلاق النار، لم يكن إدراج لبنان ضمن التهدئة تفصيلاً عابراً أو نتيجة اجتهاد سياسي محلي، بل كان تعبيراً عن مسار يتشكل خارج الإيقاع الإسرائيلي. الإبلاغ غير الرسمي الذي وصل إلى بيروت، والمتقاطع مع مواقف صريحة صدرت عن أطراف إقليمية ودولية، يكشف أن ثمة تصوراً لاتفاق يتجاوز فكرة “الساحات المنفصلة”، ويتجه نحو مقاربة ترى في الجبهات امتداداً لوحدة ضغط واحدة، لا ملفات قابلة للفصل وفق الرغبة الإسرائيلية.
قبول الحزب بالانخراط في هذا المسار لا يمكن قراءته كاستجابة ظرفية، بل كتعاطٍ مع لحظة يُعاد فيها تعريف قواعد الاشتباك سياسياً، لا ميدانياً فقط. أي أن الموافقة هنا ليست تنازلاً، بل جزء من محاولة تثبيت معادلة، مفادها أن وقف النار لا يُفرض من طرف واحد، ولا يُجزأ بما يخدم طرفاً دون آخر.
في المقابل، جاء الرفض الإسرائيلي ليكشف ما هو أعمق من موقف تفاوضي متشدد. نحن أمام أزمة موقع، لا أزمة بند. فإسرائيل، وتحديداً قيادة بنيامين نتنياهو، تجد نفسها أمام مسار يُدار خارج قدرتها على التحكم الكامل، ما يهدد بإنتاج نهاية للحرب لا تشبه شروط بدايتها. وهذا بحد ذاته خسارة استراتيجية، حتى لو لم تُترجم فوراً على شكل هزيمة ميدانية.
لذلك، فإن رفض شمول لبنان ليس دفاعاً عن خصوصية جبهة، بل محاولة لكسر فكرة “وحدة المسار”، وإعادة تفكيك الساحات إلى ملفات منفصلة يمكن التحكم بها تدريجياً. هذا السلوك يعكس إدراكاً إسرائيلياً بأن أي اتفاق شامل سيُقيد حرية الحركة لاحقاً، ويحوّل ما عجزت عن تحقيقه بالقوة إلى واقع سياسي مُلزِم.
ما يزيد المشهد تعقيداً هو البعد الأميركي. فالإدارة في واشنطن، سواء بدافع تقليص الانخراط أو إعادة ترتيب الأولويات، تبدو معنية بإنتاج مخرج منظم، حتى لو لم يكن مثالياً. هذا يضع إسرائيل أمام معضلة مزدوجة، إما القبول باتفاق لا تملك صياغته، أو محاولة تخريبه دون القدرة على الانفكاك الكامل عن المظلة الأميركية.
من هنا، يصبح السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت إسرائيل سترفض أو تقبل، بل كيف ستُدير لحظة الرفض نفسها. هل ستلجأ إلى تصعيد سريع ومكثف ضمن نافذة زمنية ضيقة، بهدف تعديل شروط التهدئة قبل تثبيتها، أم ستذهب إلى نموذج أكثر التفافاً، يعيد إنتاج ما بعد تفاهمات تشرين الثاني 2024، حيث تستمر العمليات تحت سقف تهدئة شكلية، بما يحفظ لها هامش المبادرة دون كسر الإطار العام؟
في الحالتين، نحن لا ننتظر قراراً إسرائيلياً بقدر ما نراقب حدود القدرة الإسرائيلية على فرضه. لأن ما تغيّر فعلياً ليس موقف طرف من اتفاق، بل ميزان من يملك تعريف نهاية الحرب، ومن يُجبر على التكيّف معها.
