
كتب: هانى الكنيسى
في تحقيق استقصائي طويل وثري بالتفاصيل والوثائق، يفكك الكاتب والأكاديمي البريطاني ‘ديفيد ميلر’ الرواية “الإعلامية” التي ارتبطت بظهور جماعة غامضة تُدعى “حركة أصحاب اليمين الإسلامية (HAYI)”، نُسبت إليها سلسلة من الهجمات “الإرهابية ضد المصالح اليهودية” في أوروبا، في غمرة الحرب الأمريكية الإسرائيلية الأخيرة على إيران.
وينتهي التحقيق المنشور على موقع ‘مينت برس’ MintPress، إلى أن الجماعة “المحسوبة على الحرس الثوري”، ليست سوى “كيان وهمي” جرى تضخيمه -وربما “اختراعه” من عدم- لتغذية خطاب “سياسي وأمني” يستهدف تبرير الحرب على إيران لدى الأوروبيين من جهة، والتعجيل بتوجّه حكوماتهم لتصنيف الحرس الثوري الإيراني “منظمةً إرهابيةً” وحظر نشاطها رغم صلتها الرسمية بحكومة طهران.
خلال شهر مارس الماضي، نُسبت إلى الجماعة الإيرانية “المزعومة” سلسلة هجمات امتدت من اليونان إلى بلجيكا وفرنسا وهولندا بريطانيا، ووصفت في الإعلام الغربي بأنها جزء من “حرب إرهابية هجينة” تقودها طهران على أوروبا، وتحركها نزعات “معاداة السامية”.
وقد تزامنت الهجمات مع تصاعد وتيرة الحرب الأمريكية–الإسرائيلية (التي امتنعت الحكومات الأوروبية عن الانجرار إليها رسمياً) على إيران، وواكبت “تحذيرات” في الإعلام الغربي من احتمال “نقل طهران الصراع إلى الداخل الأوروبي”.
غير أن تمحيص الوقائع وتتبع الخيوط -كما يبيّن البروفيسور ‘ميلر’- يكشف “هشاشة” السردية، بل ويفضح “زيف” الكثير من معطياتها.
وللبرهنة على صحة تحليله، يستعرض الباحث عشر حوادث نُسبت إلى جماعة “أصحاب اليمين” بين 9 و23 مارس. خمس منها، وفقًا للتحليل الاستقصائي، لم تقع أساسًا: ثلاث حوادث “خيالية” في اليونان وفرنسا وهولندا، وحريق في بلجيكا زعمت إسرائيل أنه “استهدف سيارة في حي يهودي بمدينة أنتويرب” يوم 23 مارس)، إلا أن صحيفة HLN الهولندية أكدت أن “مالكة السيارة مغربية وليست يهودية”. فضلا عن حادثة أخري نُسبت للجماعة المزعومة ولم تتجاوز مرحلة “التخطيط”.
أما الحوادث الخمس الأخرى المرصودة في التحقيق، فاقتصرت على انفجارات صغيرة أو أضرار طفيفة، دون تسجيل أي إصابات.
وقد شكّك “المركز الدولي لمكافحة الإرهاب” (مؤسسة بحثية مرموقة، مقرها هولندا) في مصداقية معظم تلك الحوادث، معتبرًا أن بعضها “مفتعل بهدف التضليل”. بل إن وزارة “شؤون الشتات” الإسرائيلية نفسها أقرت بأن حادثة اليونان مثلاً “قد تكون مفبركة”. وذلك فقط بعدما تبيّن أن فيديو “الهجوم” في اليونان يعود في الواقع إلى انفجار سابق في روتردام بهولندا!!
ووفقاً للتحقيق الاستقصائي، فإن السردية (المُصنّعة) التي تربط جماعة “أصحاب اليمين” بإيران اعتمدت أساسًا على منشورات وقنوات في تطبيق “تيليغرام”. لكن ‘ميلر’ يكشف أن تلك القنوات المنسوبة للجماعة لم “تُفعّل” إلا بعد وقوع نصف “الهجمات”، وهو ما يثير شبهة “التلاعب الزمني” لإلصاق التهم بها. كما أن القنوات لم تكن تحمل أسماء واضحة أو روابط موثقة، ولم يتجاوز عدد متابعيها “بضع عشرات”!!
ويشير التحقيق إلى أن أول من روّج لفرضية الارتباط بإيران كانت ‘مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات’ (الصهيونية)، عبر مقال لليهودي ‘جو تروزمان’ في 12 مارس، قبل أن تتبناها لاحقًا وزارة “شؤون الشتات” في إسرائيل، والتي “قادت حملة دعائية منظمة لتكريس هذه الرواية في الإعلام الدولي”.
وفي السياق ذاته، يسلط التحقيق الضوء علي دور مجموعة “SITE” الاستخباراتية، التي تديرها الصهيونية ‘ريتا كاتز’، في تضخيم الادعاءات المرتبطة بقنوات التليغرام المنسوبة لحركة “أصحاب اليمين”.
وعند تلك النقطة، يطرح التحقيق فرضية أن بعض الحوادث “المزعومة” ربما نفذها “مجرمو عمل حر” (gig criminals) أو أفراد صغار، لا صلة “تنظيمية” لهم بأي جهة، مضاهيًا إياها بحوادث وقعت في أستراليا بين أكتوبر 2024 ويناير 2025، وصفتها الشرطة لاحقًا بأنها كانت “مزيفة”. كما يشير التقرير إلى احتمال تورط “أُجراء” يُعرفون باسم “سيانيم” (Sayanim)، وهو الاسم الذي يُطلق اختصارًا على “شبكة المتعاونين غير الرسميين مع جهاز ‘الموساد’ حول العالم”.
ويلفت ‘ميلر’ إلى أن طبيعة الهجمات “المزعومة” ذاتها -من حيث بدائيتها وضعف أثرها- تتناقض مع الصورة التي يُفترض أن تعكسها عمليات تديرها دولة بحجم إيران، تخوض مواجهة عسكرية معقدة ضد أعتى جيوش العالم، ولديها قدرات صاروخية متقدمة. وهو ما يقود -في رأيه- إلي سؤال بديهي: هل يُعقل أن تعتمد طهران على “مراهقين هواة” وأدوات “بدائية” لتنفيذ عمليات محدودة التأثير في أوروبا التي اتخذت خطوة للوراء إزاء الحرب الأمريكية الإسرائيلية عليها؟!
يخلص التحقيق الاستقصائي إلي أن تهويل خطر “أصحاب اليمين” إعلاميا -دون أسانيد ميدانية صلبة- أسهم في خلق “مناخ خوف عام” في أوروبا، خدمةً لأجندة “سياسية” تعمل على ترسيخ مشاعر الكراهية لإيران (والتعاطف مع مبررات الحرب عليها)، وتعزيز مسوغات تصنيف الحرس الثوري “منظمة إرهابية” من منطلق “معاداة السامية” .. أو السردية “مضمونة النتيجة”.
