بين الغرف المغلقة وفوضى القرار: حين تتحول السياسة إلى مقامرة

بقلم: أرنست وليم
في تقرير نشرته صحيفة The New York Times حول زيارة بنيامين نتنياهو إلى الولايات المتحدة في 11 فبراير، وما دار في لقائه المغلق مع دونالد ترامب، تتكشف صورة مقلقة لطبيعة صناعة القرار داخل واحدة من أهم العواصم العالمية.
ما ورد في التقرير لا يمكن قراءته باعتباره مجرد اختلاف في وجهات النظر بين حليفين، بل يعكس مستوى من الاندفاع السياسي الذي يهدد بإعادة تشكيل موازين القوى في المنطقة، وربما دفعها نحو حافة انفجار واسع. ففي غرفة العمليات (Situation Room)، طُرحت – وفقًا لما نُشر – خطة شديدة الخطورة، تتضمن استهداف القيادة الإيرانية، وتحييد قدراتها الصاروخية، والدفع نحو إسقاط النظام عبر تحريك الشارع الداخلي.
اللافت في المشهد ليس فقط طبيعة الخطة، بل طريقة استقبالها. إذ بدا أن الحماس طغى على الحسابات، في تجاهل واضح لتحذيرات عسكرية واستراتيجية صدرت من داخل المؤسسة الأمريكية نفسها. فقد حذر رئيس هيئة الأركان المشتركة من المبالغة في تقدير فرص النجاح، مشيرًا إلى احتمالات استنزاف القدرات العسكرية الأمريكية، وفتح الباب أمام سيناريوهات أكثر تعقيدًا، مثل إغلاق مضيق هرمز أو اتساع رقعة المواجهة.
ولم يكن هذا الصوت الوحيد المتحفظ، إذ تشير المعطيات إلى أن شخصيات سياسية داخل الإدارة، من بينها نائب الرئيس جي دي فانس، لا تنظر بعين الثقة إلى هذه المغامرات، ولا إلى تداعياتها على المصالح الأمريكية طويلة المدى.
المشهد هنا يتجاوز خلافًا تكتيكيًا، ليطرح سؤالًا أعمق: كيف تُدار القوة في عالم مضطرب؟ وهل يمكن لقرارات تُتخذ في غرف مغلقة، تحت تأثير الحماسة أو الحسابات الضيقة، أن تعيد رسم خرائط الاستقرار؟
في المقابل، تبدو قوى دولية أخرى أكثر حذرًا؛ فالصين تراقب من بعيد، وأوروبا تفضل النأي بنفسها عن الانزلاق إلى مستنقعات جديدة. وبين هذا وذاك، تتآكل صورة الهيبة الأمريكية، ليس بفعل خصومها، بل نتيجة قرارات قد تُتخذ دون تقدير كافٍ لعواقبها.
إن أخطر ما في الأمر ليس الخطة نفسها، بل البيئة التي قد تسمح بتمريرها. فحين يتم تهميش الخبرة، وتجاهل التحذيرات، يصبح القرار السياسي أقرب إلى مقامرة مفتوحة، تدفع ثمنها المنطقة بأكملها، وربما العالم.
