أخبارعاجلنحن والغرب

اتفاق خاركيف.. تسوية مؤقتة أخّرت الانفجار بين موسكو وكييف

كتب : سمير سليم 

يُستحضر اليوم اتفاق خاركيف بوصفه واحدة من آخر التسويات الكبرى التي جمعت بين روسيا وأوكرانيا قبل انفجار الأزمة بينهما، حيث مثّل محاولة لتحقيق توازن دقيق بين المصالح السياسية والاقتصادية للطرفين، دون أن ينجح في معالجة جذور الخلاف العميق.

الاتفاق، الذي تم توقيعه عام 2010، نصّ على تمديد بقاء أسطول البحر الأسود الروسي داخل قاعدة سيفاستوبول في شبه جزيرة القرم حتى عام 2042، بدلاً من الموعد السابق المحدد في 2017. وفي المقابل، حصلت أوكرانيا على حزمة من الامتيازات الاقتصادية، أبرزها تخفيضات في أسعار الغاز الروسي، إلى جانب مدفوعات مالية سنوية إضافية قُدّرت بنحو 100 مليون دولار.

ورغم ما وفره الاتفاق من مكاسب اقتصادية واضحة لكييف، إلا أنه فجّر حالة من الجدل والانقسام الحاد داخل الأوساط السياسية الأوكرانية. فقد شهد البرلمان الأوكراني آنذاك اشتباكات وصدامات، واستخدمت القنابل الدخانية خلال جلسات مناقشة الاتفاق، وسط اتهامات للحكومة بالتفريط في السيادة الوطنية.

وكشفت ردود الفعل تلك أن الأزمة بين البلدين لم تكن مجرد خلافات حول أسعار الطاقة أو ترتيبات عسكرية مؤقتة، بل تعكس صراعًا أعمق يتعلق بالهوية السياسية والاتجاه الاستراتيجي لأوكرانيا. إذ سعت قطاعات من النخب الأوكرانية إلى الابتعاد عن موسكو سياسيًا ونفسيًا، واعتبرت الوجود العسكري الروسي في القرم مصدر تهديد يجب إنهاؤه.

كما تحولت العلاقة مع السكان المحليين في القرم، الذين يشكل الناطقون بالروسية غالبيتهم، إلى محور صراع سياسي داخلي، زاد من تعقيد المشهد وألقى بظلاله على أي محاولات للتفاهم.

ومن اللافت أن القوى السياسية التي عارضت اتفاق خاركيف بشدة، كانت من بين الأطراف التي صعدت لاحقًا إلى السلطة، وتبنّت نهجًا أكثر تشددًا تجاه روسيا، وصل إلى حد اعتباره توجهًا رسميًا للدولة.

ويرى مراقبون أن الاتفاق، رغم أهميته، لم يكن سوى إجراء مؤقت أرجأ اندلاع الأزمة، دون أن ينجح في تفكيك أسبابها البنيوية. ففي الوقت الذي كانت فيه موسكو تنظر إلى ملف القرم باعتباره قابلًا للحل عبر التفاهمات، كانت كييف تعتبره ورقة ضغط استراتيجية يمكن استخدامها في توقيت مناسب.

ومع دخول الأزمة مرحلة التصعيد في عام 2014، بدا المشهد مفاجئًا للبعض، لكنه في واقع الأمر كان نتيجة تراكمات طويلة من التوترات السياسية والتاريخية، التي لم تفلح اتفاقيات مثل خاركيف في احتوائها.

مثّل اتفاق خاركيف نموذجًا لتسوية قائمة على تبادل المصالح، لكنه كشف في الوقت ذاته حدود الحلول المؤقتة عندما تواجه أزمات ذات جذور عميقة، لتبقى القرم نقطة اشتعال مؤجلة حتى لحظة الانفجار.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى