كيف قاوم السودانيون الحرب بلا سلاح (5)
حماية الأطفال… التربية تحت القصف

بقلم: محمد إسماعيل
أنا سعيد بالعودة إلى الكتابة، رغم كل ما يحيط بنا من أحزان. في المرة السابقة توقفتُ عند موت الأصدقاء، عند مزن وأسامة، وحاولتُ أن أفهم كيف تمتد الحرب خارج جغرافيتها لتطالنا جميعاً بطرق مختلفة. وكنت قد وعدت أن أكتب عن النساء ودورهن، لكنني أؤجل ذلك قليلاً. ما دفعني هذه المرة هو ما قرأته عن الأطفال المفقودين في مسارات النزوح والهجرة، عن أسماء تختفي بلا أثر، وعن طفولة تُقتلع من جذورها قبل أن تكتمل. شعرتُ أن هناك شيئاً أكثر إلحاحاً يجب أن يُقال الآن: كيف حمى السودانيون أطفالهم في قلب هذه الحرب؟
حين نتحدث عن الحماية في زمن الحرب، يتبادر إلى الذهن فوراً الجسد: كيف نُبعد الطفل عن الرصاص، عن القصف، عن الخطر المباشر. لكن ما فعله السودانيون كان أعمق من ذلك بكثير جدا. كانت هناك محاولة مستمرة لحماية شيء لا يُرى بسهولة: نفس الطفل، إحساسه بالأمان، قدرته على الاستمرار في تخيّل العالم كمساحة قابلة للحياة، لا كحقل دائم للخوف.
في البيوت التي امتلأت بالنازحين، في القطاطى والغرف والمظلات والمخيمات التي ضاقت بأهلها وضيوفها، كان هناك جهد خفي لإبقاء الأطفال خارج مركز الصدمة. ليس بمعنى عزلهم عن الواقع، فهذا كان مستحيلاً، بل بمحاولة إعادة ترتيب هذا الواقع بحيث لا يبتلعهم بالكامل. وقد حدثنى الكثير من الاصدقاء والاقرباء عن ذلك. الأحاديث تُخفَّض أصواتها حين يمر الأطفال، الأخبار تُحكى بنسخ مخففة، والخوف يُدار لا يُنفى. كان هناك إدراك عميق بأن الطفل، إذا انهار من الداخل، فلن يكفي أي مأوى خارجي لحمايته.
واحدة من أكثر المظاهر دلالة على هذا الجهد كانت عودة التعليم، لا بوصفه نظاماً، بل كفعل مقاومة. المدارس الرسمية والخلاوى والمساجد توقفت أو تضررت، لكن الدروس لم تتوقف. تحوّلت البيوت إلى فصول، والأمهات والآباء إلى معلمين، والطلاب الأكبر سناً إلى من يشرحون للصغار. لم تكن هناك مناهج مكتملة ولا جداول دقيقة، لكن كان هناك إصرار على أن يستمر التعلم، حتى ولو في أبسط صوره. لأن التعليم هنا لم يكن فقط اكتساب معرفة، بل كان إعادة إنتاج لفكرة المستقبل نفسها. ومن هو المستقبل؟ انه هؤلاء الصغار.
إلى جانب ذلك، استمرت الحكايات والحجاوى. قبل النوم، في لحظات التعب، كانت الأمهات والجدات يروين قصصاً. قديمة أحياناً، ومُخترعة أحياناً أخرى، لكنها كانت تؤدي وظيفة حيوية: خلق مساحة بديلة داخل رأس الطفل، مساحة لا تهيمن عليها الحرب بالكامل. الحكاية هنا ليست ترفاً ثقافياً، بل أداة نفسية عميقة، تحمي الطفل من أن يُختزل عالمه في الخوف. حكابة ليست عن الغول او فاطمة السمحة برعم جمال القصص عنهم ولكن حكايا عن الصباح والحصاد والعرس والجديد والزين.
دور الأمهات والجدات في هذا السياق لا يمكن اختزاله في “الرعاية” بمعناها التقليدي (بالرغم من افتقادى لهم ولدورهم فى بلدى البعيدة التى اعيش فيها). ما قمن به وما حكى لى كان إدارة يومية للأزمة على مستوى الحياة نفسها. خلق روتين في وسط الفوضى: مواعيد للأكل، للنوم، للدرس، حتى للعب. هذا الروتين، رغم بساطته، كان بمثابة هيكل يحفظ توازن الطفل. في عالم انهارت فيه كل البُنى الكبيرة، أصبحت هذه التفاصيل الصغيرة هي ما يمنع الانهيار الكامل.
والأطفال أنفسهم كما رأيتهم فى الوسائط لم يكونوا مجرد متلقين للحماية. كانوا، بطريقتهم، يقاومون. اللعب لم يتوقف، بل تغيّر. في الأزقة، في المساحات الضيقة، في داخل البيوت والمعسكرات والمخيمات، ابتكروا ألعابهم من لا شيء. أحياناً يقلّدون ما يرونه، وأحياناً يخلقون عوالم بديلة. اللعب هنا ليس إنكاراً للواقع، بل طريقة لفهمه وإعادة تشكيله. الطفل الذي يلعب، حتى في ظل الحرب، يقول بطريقة غير مباشرة: أنا ما زلت هنا، وما زلت أملك القدرة على أن أتخيّل. انا مركز العالم وانا المستقبل.
لكن هذه الصورة، رغم قوتها، لا يجب أن تُقرأ كقصة نجاح مكتملة. هناك خسارات عميقة لا يمكن إنكارها: أطفال فقدوا أهلهم، أو تشتتوا، أو عاشوا صدمات سترافقهم طويلاً. وما قرأناه وشاهدناه عن الأطفال المفقودين في مسارات النزوح والهجرة يذكّرنا بأن هذه الحماية، مهما كانت واسعة، لم تستطع أن تشمل الجميع. وهذا يعيدنا إلى النقطة الأساسية في هذه السلسلة: المجتمع قاوم، نعم، لكنه كان يقاوم في ظل غياب شبه كامل للدولة، وتباطؤ واضح من النظام الدولي.
ومع ذلك، يبقى ما حدث مهماً جداً في التحليل. حماية الطفولة وهذا ما ذكرنى به صغيرى فى استراحة الغداء وانا اكل عيشى بالعمل من البيت وما دفعنى ايضا ان اكتب، في هذا السياق، لم تكن عملاً خيرياً، بل فعلاً مقاوماً. لأن الحرب، في جوهرها، لا تستهدف الحاضر فقط، بل المستقبل. والطفل هو هذا المستقبل. حين يصرّ المجتمع على حماية أطفاله نفسياً، على تعليمهم، على إطعامهم، على إبقائهم داخل دائرة الحياة، فهو لا يخفف فقط من آثار الحرب، بل يرفض منطقها بالكامل.
في المرات السابقة فى هذه السلسلة، رأينا كيف نهض المجتمع حين سقطت الدولة، وكيف تحوّل النزوح إلى شبكة، وكيف أصبحت التكايا سياسة بديلة للغذاء. اليوم نرى بعداً آخر لهذا الصمود: كيف حمى الناس أطفالهم، لا فقط من الموت، بل من أن يفقدوا القدرة على العيش.
في المرة القادمة، سأعود إلى ما كنت قد وعدت به: دور النساء، ليس فقط في البيوت، بل في كل هذه البُنى غير المرئية التي حافظت على استمرار المجتمع. وكما في كل مرة، أترك الباب مفتوحاً: ما الذي ترونه مهماً أن يُكتب أيضاً؟ ما الذي لم نلتفت إليه بعد؟ لأن هذه السلسلة، في النهاية، ليست فقط عن الحرب، بل عن كيف حاولنا أن نبقى بشراً في قلبها.
