جبهة “الأهوال” ظاهرة الانتحار في الجيش الإسرائيلي

كتب: هانى الكنيسى
الأرقام “القياسية” التي كشفتها ‘هآرتس’ عن أعداد المنتحرين في صفوف جيش الاحتلال أحدثت صدمة في الأوساط الطبية والعسكرية وأثارت تحذيرات علنية من “الانهيار النفسي للجبهة الداخلية”.
إذ نشرت الصحيفة العبرية أمس الأحد تحقيقًا مثيرًا، تحت عنوان “11 جنديًا وشرطيًا إسرائيليًا انتحروا منذ بداية أبريل فقط”.
ويتضح في تفصيل الأرقام، أن ثمانيةً من المنتحرين هذا الشهر هم من جنود الخدمة النظامية، وثلاثة من جنود الاحتياط الذين شاركوا في حرب الإبادة على غزة.
الأرقام التي وُصفت بأنها “غير مسبوقة” خلال أقل من شهرٍ واحد، تعادل أكثر من نصف إجمالي حالات الانتحار المسجلة خلال عام 2025 بأكمله، والذي بلغ 21 حالة، إلى جانب 279 محاولة انتحار فاشلة، ما يشي بوجود “جيش خفي” من المقهورين بصدمات نفسية في صفوف الجيش الإسرائيلي الذي “لا يُقهر”.
الصحيفة عزت هذه القفزة الحادة إلى مزيجٍ من العوامل، أبرزها “تراكُم الصدمات النفسية العنيفة التي عاشها الجنود على مدار ثلاث سنوات، والاستنزاف العملياتي المستمر على جبهات متعددة، وطول فترات استدعاء الاحتياط”.
لكن الصورة تزداد قتامةً مع اتهامات “موثقة” لوزارة الدفاع الإسرائيلية بمحاولة إخفاء “الأرقام الحقيقية” لعدد المنتحرين “بعد التسريح من الخدمة”، حيث لا يتم تسجيلهم كـ “ضحايا للخدمة العسكرية” رسمياً إلا بعد خوض عائلاتهم معارك قانونية، وهو ما يعتبره الخبراء “تحايلاً إحصائيًا” بهدف التقليل من الحجم الحقيقي لأزمة الانتحار.
المؤسسة العسكرية أقرت بوجود علاقة مباشرة بين حالات الانتحار وما وصفته بـ”الأهوال” التي شهدها الجنود في غزة ولبنان، والتي تمثلت في مشاهد الدمار، القتال من المسافة صفر، فقدان الزملاء، والاحتكاك المستمر بالمدنيين، فضلًا عن حقيقة أن الجيش يعيش حالة “طوارئ عملياتية” منذ أكتوبر 2023.
ولمواجهة ظاهرة الانتحار الكارثية، لجأت إلي زيادة كوادر الصحة النفسية (المعروفين باسم KABAN) بنحو 200 في الخدمة النظامية، و600 في الاحتياط، وإلى إنشاء مراكز تأهيل جديدة متخصصة لعلاج “اضطرابات ما بعد الصدمة” PTSD.
لكن الإعلام العبري يشير إلى “قوائم انتظار طويلة” عاجزة عن ملاحقة حجم الطلب المتزايد، كما يتناول مؤشرات “عدم الشفافية” بشأن نتائج التحقيقات التي تفتحها الشرطة العسكرية في كل حالة انتحار.
بل إن الضغط الناجم عن تفاقم ظاهرة الانتحار امتد إلى المؤسسات المدنية. إذ حذر مديرو صناديق رعاية المرضى، مثل “ماكابي”، من أن نحو 40% من العسكريين الخاضعين لرعايتهم طلبوا دعمًا نفسيًا خلال عام 2025، ما أدى إلى ضغط غير مسبوق على العيادات المدنية، وكشف عن اتساع رقعة الأزمة خارج الأسوار العسكرية.
الخبراء العسكريون يرون أن هذه الظاهرة “تهدد بنية الجيش الإسرائيلي ذاته”. فيما انتقد الصحفي العسكري ‘يانيف كوبوفيتش’ سياسة “إجبار جنود يعانون من اضطرابات نفسية واضحة على العودة إلى الخدمة تحت التهديد بالعقوبات”، معتبرًا أن ذلك يدفع بعضهم إلى الانتحار.
أما الأطباء النفسيون في إسرائيل، فوصفوا الوضع بأنه “تسونامي من الصدمات”، محذرين من أن “القادم أسوأ”. فيرى البروفيسور “يوسي ليفي بيلز” (خبير في علاج الميول الانتحارية) أن الخطر الأكبر يكمن في “اللحظة التي ستنتهي فيها الحرب ويواجه الجنود فراغًا نفسيًا حادًا وفقدانًا لمعنى الحياة”.
وفي هذا السياق، يستشهد الخبراء بارتفاع حالات الانتحار في سجلات الجيش الأمريكي بعد غزو العراق، نتيجة ما يُعرف بـ”الصدمة الأخلاقية”، حيث لا تقتصر الأزمة النفسية على الخوف من الموت، بل تمتد إلى “الشعور بالذنب حيال أفعال أو مشاهد تتعارض مع القيم الشخصية أثناء القتال” .. وما أكثر ما شاهده واقترفه جنود الاحتلال من جرائم “لا أخلاقية” في غزة ولبنان.
