إبداعات عربيةعاجلمقالات

كيف غيّرت الثورة الرقمية معنى الطبقة والعمل والرأسمالية؟

أندريه كولغانوف يجيب

بقلم: سمير سليم 

عندما كتب كارل ماركس تحليلاته الأساسية للرأسمالية في القرن التاسع عشر، كان المصنع يمثل قلب الاقتصاد الحديث، وكانت الطبقة العاملة الصناعية هي القوة الاجتماعية الرئيسية التي تقف في مواجهة رأس المال. كان العامل يدخل المصنع، يبيع قوة عمله، وينتج قيمة اقتصادية تعود في جزء كبير منها إلى أصحاب وسائل الإنتاج.

لكن العالم الذي نعيش فيه اليوم يختلف بصورة عميقة عن ذلك العالم. فلم تعد المصانع وحدها هي مركز القوة الاقتصادية، وأصبح الإنتاج يعتمد بدرجة متزايدة على المعرفة والمعلومات والتكنولوجيا والبرمجيات والبيانات. وظهر نوع جديد من العمل لم يكن موجودًا بهذا الشكل في الماضي، من العاملين في الشركات الرقمية إلى العاملين عبر المنصات الإلكترونية والمبرمجين والمتخصصين في مجالات المعرفة.

أمام هذه التحولات الكبرى ظهر سؤال أساسي: هل ما زالت أدوات التحليل التي قدمها ماركس قادرة على تفسير عالم تغيرت فيه طبيعة العمل والإنتاج؟ وهل اختفت الطبقة العاملة التقليدية أم أنها اتخذت أشكالًا جديدة؟ وهل خلقت التكنولوجيا نظامًا اقتصاديًا مختلفًا أم أنها مجرد مرحلة جديدة من تطور الرأسمالية؟

هذه الأسئلة كانت في قلب المشروع الفكري للاقتصادي والمفكر الروسي أندريه كولغانوف، الذي يعد من أبرز ممثلي الماركسية الروسية المعاصرة. فقد حاول طوال مسيرته الفكرية أن يطور أدوات التحليل الماركسي لفهم التحولات الجديدة، دون أن يتعامل مع الماركسية باعتبارها مجموعة من الإجابات المغلقة، بل باعتبارها منهجًا يساعد على قراءة الواقع المتغير.

لم يكن اهتمام كولغانوف منصبًا على الدفاع عن الماضي أو تكرار التجارب التاريخية كما حدثت، وإنما كان يبحث عن كيفية استخدام الفكر النقدي لفهم الحاضر. ولذلك ركز على قضايا أصبحت أساسية في القرن الحادي والعشرين: تغير طبيعة الطبقات الاجتماعية، مستقبل العمل، دور المعرفة في الاقتصاد، تأثير التكنولوجيا، وإمكانات بناء مجتمع أكثر عدالة في عصر جديد.

فالسؤال الذي حاول كولغانوف الإجابة عنه لم يكن فقط: كيف تعمل الرأسمالية؟

بل كان أيضًا: كيف تتغير الرأسمالية؟ وما القوى الاجتماعية التي ستحدد مستقبلها؟ هل اختفت الطبقة العاملة؟

من أهم القضايا التي ناقشها كولغانوف مسألة تغير الطبقة العاملة.

فبعد نهاية القرن العشرين، انتشرت فكرة بين عدد من الباحثين تقول إن الطبقة العاملة التقليدية فقدت دورها التاريخي، لأن المجتمعات الصناعية القديمة تغيرت، وانتقلت نسبة كبيرة من الاقتصاد إلى قطاع الخدمات والمعرفة والتكنولوجيا.

لكن كولغانوف يرى أن هذا الاستنتاج يتجاهل حقيقة أساسية، وهي أن تغير شكل العمل لا يعني اختفاء العلاقة الاجتماعية التي تحدث عنها ماركس.

فالطبقة العاملة، من وجهة نظره، لم تكن مرتبطة فقط بالعامل الذي يقف داخل المصنع، وإنما بكل من يعتمد على بيع قوة عمله من أجل الحصول على الدخل، ولا يمتلك وسائل الإنتاج التي تمكنه من التحكم في العملية الاقتصادية.

وبهذا المعنى، فإن العامل في القرن الحادي والعشرين يمكن أن يكون عاملًا في مصنع، أو موظفًا في شركة، أو مبرمجًا، أو عاملًا يقدم خدمات عبر المنصات الرقمية، أو شخصًا ينتج معرفة ومعلومات لصالح مؤسسة لا يملكها.

المشكلة، حسب كولغانوف، ليست في اختفاء العمل، بل في تغير أشكاله.فالعالم لم يصبح عالمًا بلا عمال، وإنما أصبح عالمًا بأشكال جديدة من العمل، بعضها أكثر تعقيدًا وأقل وضوحًا من العمل الصناعي التقليدي.

من العامل الصناعي إلى عامل المعرفة

يرى كولغانوف أن التحول الأكبر في الاقتصاد الحديث هو انتقال المعرفة لتصبح عنصرًا أساسيًا في عملية الإنتاج.

ففي الماضي كان رأس المال يعتمد بدرجة كبيرة على الآلات والمصانع والمواد الخام، أما اليوم فأصبحت القدرة على إنتاج المعلومات وتحليلها وتطوير التكنولوجيا مصدرًا رئيسيًا للقوة الاقتصادية.

لكن هنا يظهر سؤال مهم: إذا أصبحت المعرفة ملكًا للمجتمع كله، فلماذا تتحول إلى مصدر للربح الخاص؟

يرى كولغانوف أن الرأسمالية الحديثة خلقت أشكالًا جديدة من السيطرة على المعرفة، من خلال حماية المعلومات والابتكارات داخل أنظمة احتكارية تجعل الوصول إليها خاضعًا لقواعد السوق.

فالمعرفة بطبيعتها يمكن أن تنتشر وتفيد المجتمع كله، لكن تحويلها إلى سلعة يجعل جزءًا كبيرًا من إمكاناتها خاضعًا لمنطق الربح والمنافسة.ومن هنا يرى أن التناقض بين الطابع الاجتماعي للإنتاج وبين الملكية الخاصة لم يختفِ في العصر الرقمي، بل اتخذ أشكالًا جديدة.

هل خلقت التكنولوجيا رأسمالية جديدة؟ يهتم كولغانوف كثيرًا بدراسة تأثير التكنولوجيا على النظام الرأسمالي.

فالشركات الكبرى في العصر الرقمي لم تعد تعتمد فقط على امتلاك المصانع أو الموارد الطبيعية، بل أصبحت تعتمد على السيطرة على المعلومات والبيانات وشبكات التواصل والمنصات التي يستخدمها ملايين البشر يوميًا.

ويرى أن هذه التحولات خلقت نوعًا جديدًا من القوة الاقتصادية، حيث أصبحت البيانات موردًا أساسيًا يشبه في أهميته الموارد التقليدية التي كانت تتحكم فيها الشركات الكبرى في الماضي.

فالمنصة الرقمية لا تقدم خدمة فقط، وإنما تجمع معلومات عن المستخدمين وسلوكهم واحتياجاتهم، وتحول هذه المعلومات إلى قيمة اقتصادية.

ومن هنا يرى كولغانوف أن الرأسمالية الرقمية لا تمثل خروجًا كاملًا عن الرأسمالية القديمة، لكنها مرحلة جديدة من تطورها، تغيرت فيها أدوات السيطرة وأشكال تحقيق الربح.

فكما كان المصنع رمزًا للقوة الاقتصادية في القرن التاسع عشر والعشرين، أصبحت البيانات والمنصات الرقمية من أهم رموز القوة في القرن الحادي والعشرين.

هل تغيرت طبيعة الاستغلال في العصر الرقمي؟

من القضايا المهمة في تحليل كولغانوف أنه لا ينظر إلى التكنولوجيا باعتبارها قوة محايدة منفصلة عن طبيعة النظام الاقتصادي الذي تعمل داخله.

فالتكنولوجيا، في رأيه، يمكن أن تكون وسيلة لتحسين حياة الإنسان وزيادة قدرته على الإبداع، لكنها يمكن أيضًا أن تتحول إلى أداة لزيادة السيطرة الاقتصادية إذا أصبحت خاضعة لعدد محدود من المؤسسات الكبرى.

وفي هذا السياق يطرح سؤالًا مهمًا: إذا كان العامل اليوم لا يقف دائمًا داخل مصنع، فهل يعني ذلك أن علاقته برأس المال أصبحت مختلفة تمامًا؟

يرى كولغانوف أن جوهر العلاقة لم يتغير. فما زال هناك من يمتلك وسائل الإنتاج، سواء كانت مصانع أو شركات تكنولوجية أو منصات رقمية، وهناك من يعتمد على بيع عمله للحصول على الدخل.

لكن الجديد هو أن عملية العمل أصبحت أكثر تعقيدًا وأقل وضوحًا.

فالعامل الذي يعمل عن بعد، أو الذي يقدم خدمات عبر منصة رقمية، أو الذي ينتج محتوى أو معرفة لصالح مؤسسة كبرى، قد لا يرى مكان الإنتاج التقليدي، لكنه يظل جزءًا من عملية اقتصادية تخضع لمنطق السوق والربح.

ولهذا يرى كولغانوف أن مهمة الفكر النقدي ليست البحث عن العامل بالصورة القديمة، وإنما فهم الأشكال الجديدة التي يأخذها العمل في المجتمع المعاصر.

هل أصبحت المعرفة قوة إنتاجية جديدة؟

يولي كولغانوف اهتمامًا كبيرًا لمسألة المعرفة باعتبارها واحدة من أهم التحولات في الاقتصاد الحديث.

فالمجتمعات المعاصرة تعتمد بدرجة متزايدة على التعليم والبحث العلمي والابتكار والتكنولوجيا. وأصبحت قدرة المجتمع على إنتاج المعرفة وتطويرها عاملًا أساسيًا في تقدمه الاقتصادي.

لكن كولغانوف يرى أن هناك تناقضًا أساسيًا في هذا المجال.

فمن ناحية، تعتمد الحضارة الحديثة على تراكم المعرفة والتعاون بين ملايين البشر عبر التاريخ.

ومن ناحية أخرى، يحاول النظام الرأسمالي تحويل هذه المعرفة إلى ملكية خاصة تحقق أرباحًا ضخمة لفئات محدودة.

ومن هنا يطرح سؤالًا يتجاوز الاقتصاد:

هل ينبغي أن تكون المعرفة، التي هي نتاج إنساني مشترك، خاضعة بالكامل لمنطق الملكية والربح؟

ويرى أن هذا السؤال سيكون من أهم الأسئلة الاجتماعية في المستقبل، لأن الاقتصاد القائم على المعرفة سيجعل الصراع حول المعلومات والتعليم والتكنولوجيا جزءًا أساسيًا من الصراعات الاجتماعية.

هل تستطيع التكنولوجيا أن تخدم مشروعًا اشتراكيًا؟

لا يرى كولغانوف التكنولوجيا باعتبارها عدوًا للعدالة الاجتماعية، كما أنه لا يعتبرها طريقًا تلقائيًا نحو مجتمع أفضل.

فالتكنولوجيا في حد ذاتها لا تحدد مستقبل المجتمع، وإنما تحدده الطريقة التي يتم بها تنظيم استخدامها.

فإذا أصبحت التكنولوجيا خاضعة لاحتكار عدد محدود من الشركات، فقد تؤدي إلى زيادة التفاوت الاجتماعي وتركيز القوة الاقتصادية.

أما إذا أصبحت جزءًا من مشروع اجتماعي يهدف إلى خدمة المجتمع كله، فقد تساعد على تقليل ساعات العمل، وزيادة الإنتاج، وتوسيع فرص التعليم والمعرفة.

ومن هنا يرفض كولغانوف الفكرة التي تقول إن التطور التكنولوجي وحده سيحل مشكلات المجتمع.

فالمشكلة ليست فقط في امتلاك التكنولوجيا، وإنما في السؤال الأهم:

من يملك التكنولوجيا؟ ومن يقرر كيفية استخدامها؟

وهذا يقوده إلى قضية أساسية في فكره، وهي الديمقراطية الاقتصادية.

الديمقراطية الاقتصادية: ما بعد ملكية الدولة

مثل ألكسندر بوزغالين، يرى كولغانوف أن التجربة السوفيتية أظهرت أن ملكية الدولة وحدها لا تكفي لتحقيق الاشتراكية.

فانتقال ملكية المؤسسات إلى الدولة لا يعني بالضرورة أن المجتمع أصبح مشاركًا في إدارة الاقتصاد.

ولهذا يؤكد أن أي مشروع اشتراكي مستقبلي يحتاج إلى تجاوز فكرة الإدارة المركزية المغلقة، والبحث عن أشكال أوسع من المشاركة.

ويركز في هذا الإطار على أفكار مثل: التعاونيات.

الإدارة الذاتية للعاملين. مشاركة المجتمع في القرارات الاقتصادية.

التخطيط الديمقراطي الذي لا يعتمد فقط على قرارات أجهزة الدولة، وإنما على مشاركة أصحاب المصلحة الحقيقيين.

فالاقتصاد، من وجهة نظره، ليس مجرد أرقام وإنتاج، بل هو جزء من حياة الناس اليومية، ولذلك يجب أن يكون المواطنون جزءًا من تحديد أهدافه واتجاهاته.

هل تحتاج الماركسية إلى إعادة بناء؟

يرى كولغانوف أن أكبر خطأ يمكن أن يقع فيه الفكر الماركسي هو التعامل مع أفكار الماضي باعتبارها إجابات نهائية لا تحتاج إلى تطوير.

فالماركسية، في رأيه، لم تكن مجرد وصف لعصر معين، وإنما كانت محاولة لفهم قوانين التطور الاجتماعي.

ولهذا فإن استخدام المنهج الماركسي اليوم يتطلب دراسة الواقع الجديد بكل تعقيداته.

فالعالم تغير، وطبيعة العمل تغيرت، والتكنولوجيا خلقت أشكالًا جديدة من الإنتاج والعلاقات الاجتماعية.

لكن هذا لا يعني أن الأسئلة الكبرى اختفت.

ما زالت هناك أسئلة حول توزيع الثروة، وعلاقة العمل برأس المال، ومن يملك أدوات الإنتاج، وكيف يمكن بناء مجتمع أكثر عدالة.

ومن هنا يرى كولغانوف أن تجديد الفكر الماركسي لا يعني التخلي عنه، بل يعني الحفاظ على قدرته على تفسير العالم.

ما الذي يميز فكر أندريه كولغانوف؟

أهم ما يميز مشروع كولغانوف أنه يحاول الجمع بين ثلاثة عناصر: التاريخ. والاقتصاد. والتكنولوجيا.

فهو لا ينظر إلى الرأسمالية باعتبارها نظامًا ثابتًا، بل باعتبارها نظامًا يتغير باستمرار ويخلق أشكالًا جديدة من العمل والقوة الاجتماعية.

كما أنه لا يتعامل مع المستقبل باعتباره إعادة للماضي، بل يرى أن أي مشروع اجتماعي جديد يجب أن يتعامل مع عالم مختلف تمامًا عن عالم القرن العشرين.

ومن هذه الزاوية، فإن أهمية كولغانوف لا تكمن فقط في آرائه حول الاشتراكية، وإنما في محاولته الإجابة عن سؤال أوسع:

كيف يمكن للإنسان أن يستخدم التقدم العلمي والتكنولوجي لبناء مجتمع يخدم البشر، وليس فقط زيادة الأرباح؟

الانتقادات الموجهة إلى أفكاره

رغم أهمية الأسئلة التي يطرحها كولغانوف، فإن أفكاره لم تخلُ من الانتقادات.

فبعض الباحثين يرون أن تحليله يبالغ في إمكانية استخدام التكنولوجيا لتحقيق تحول اجتماعي واسع، لأن التكنولوجيا نفسها تعمل داخل نظام اقتصادي له مصالح وقوى مهيمنة.

ويرى آخرون أن الانتقال من الحديث عن الديمقراطية الاقتصادية إلى تطبيقها عمليًا يظل تحديًا كبيرًا، خصوصًا في مجتمعات معقدة تضم مؤسسات ضخمة وأسواقًا عالمية مترابطة.

كما يرى بعض منتقدي الفكر الماركسي عمومًا أن المشكلة ليست فقط في شكل الملكية أو توزيع الثروة، وإنما في قدرة أي نظام بديل على تحقيق الكفاءة الاقتصادية وتحفيز الإبداع.

وهذه الانتقادات تفتح بدورها بابًا مهمًا للنقاش، لأن مستقبل الاقتصاد لن يتحدد فقط بالأفكار، وإنما بقدرة المجتمعات على اختبار نماذج جديدة في الواقع.

هل تصنع الثورة الرقمية عالمًا أكثر عدلًا؟

يمثل أندريه كولغانوف نموذجًا لمفكر حاول أن ينقل النقاش حول الماركسية من أسئلة القرن التاسع عشر إلى أسئلة القرن الحادي والعشرين.

فلم يعد السؤال فقط عن المصنع والعامل الصناعي، بل عن البيانات والمعرفة والتكنولوجيا والعمل الجديد.

ولم يعد التحدي فقط هو فهم الرأسمالية كما كانت، بل فهم كيف تتغير وكيف تعيد إنتاج نفسها بأشكال جديدة.

لكن القيمة الأساسية في مشروع كولغانوف ليست أنه يقدم إجابة نهائية عن مستقبل المجتمع، وإنما أنه يعيد طرح الأسئلة التي لا يمكن تجاهلها:

من يملك المعرفة؟

من يسيطر على التكنولوجيا؟

كيف يتغير العمل؟

وهل يمكن أن تصبح الثورة الرقمية وسيلة لتحرير الإنسان أم أداة جديدة لتركيز القوة والثروة؟

ربما لا تكمن أهمية كولغانوف في أنه قدم طريقًا جاهزًا للمستقبل، بل في أنه ذكّر بأن التكنولوجيا وحدها لا تصنع مستقبلًا أفضل، وأن السؤال الحقيقي سيظل مرتبطًا دائمًا بالإنسان وبالطريقة التي ينظم بها المجتمع موارده ومعرفته وثروته.

ولهذا يبقى النقاش حول أفكاره جزءًا من سؤال أكبر يواجه العالم كله:

هل يستطيع القرن الحادي والعشرون أن يستخدم إمكاناته العلمية الهائلة لبناء مجتمع أكثر عدلًا، أم ستظل هذه الإمكانات خاضعة لمنطق الربح والاحتكار؟

زر الذهاب إلى الأعلى