عندما اختبأ الرئيس الأمريكي في عربة طعام وترك وزراءه للصاروخ الإيراني

كتب: هانى الكنيسى
في رأيي المتواضع أن “الأكثر إثارة” في التفاصيل الجديدة التي نشرتها صحيفة واشنطن بوست اليوم (الخميس) تحت عنوان: “السي آي إيه شككت في التهديد الإيراني قبل أن يغيّر ترمب طائرته في تركيا”، ليس أن الرئيس الأمريكي هُرّب سرًا “داخل شاحنة خدمات تموين” (رفقة عدد من مساعديه، بينهم ‘دان سكافينو’ نائب كبير موظفي البيت الأبيض، و’ناتالي هارب’ مساعدته التنفيذية، و’والت نوتا’ مدير عمليات المكتب البيضوي) في مطار أنقرة بعد ختام قمة الناتو، ولا أن الطائرة الرئاسية المهيبة Air Force One تحولت إلى “طُعم” للأعداء، بينما أعيد ترمب إلى بلاده على متن الطائرة Boeing 747-8 المهداة من أمير قطر (والتي تُعرف إعلاميًا بـ”القصر الطائر”)، وإنما المثير حقًا أن أجهزة الاستخبارات الأمريكية نفسها لم تكن مقتنعة بالمعلومة “الإسرائيلية” التي أطلقت كل هذه العملية “الهوليوودية”.
فمعلومة الموساد التي دفعت جهاز “الخدمة السرية” الأمريكي Secret Service إلى تنفيذ واحدة من أكثر المناورات الأمنية غرابة في تاريخ الرحلات الرئاسية الحديثة، لم يقتنع بها محللو وكالة الاستخبارات المركزية CIA، وأبلغوا مسؤولين في إدارة ترمب بتحفظاتهم عليها.
وفي ذلك السياق، نقلت الصحيفة الأمريكية المرموقة عن “مسؤول رفيع مطلع” أن جميع المعلومات المرتبطة باحتمال تهديد إيراني أو محاولة اغتيال الرئيس بصاروخ محمول “مستقاة من إسرائيل، لا من مصادر أمريكية، واعتُبرت منخفضة الثقة”.
بل إن بعض المسؤولين الأمريكيين لم يستبعدوا “احتمال أن تكون المعلومات قد صيغت أو نُقلت بما يتجاوز مجرد التحذير الأمني، وأن يكون لها هدف سياسي يتمثل في التأثير في قرارات الرئيس الأمريكي تجاه إيران والمنطقة”!!
وقد زاد السيناتور الديمقراطي ‘كريس فان هولين’ Chris Van Hollen الشكوك حدة حين قال لـ’واشنطن بوست’ إنه يريد “التحقق بصورة مستقلة” من المعلومات التي قدمتها إسرائيل، مضيفًا: “لا شك لدي في أن إيران ترغب في رحيل الرئيس، لكن كل هذا يبدو مبالغًا فيه”.
هنا تحديدًا تتجاوز دراما “شاحنة التموين” (أو عربة الطعام) حدود “الطرائف الأمنية” عن رئيس اختفى عن الأنظار بأوامر من حراسه.
القصة تزداد درامية عندما نكتشف أن وزير الخارجية ‘ماركو روبيو’ كان قد أُطلع على التهديد “المزعوم” وعلى الخطة الأمنية البديلة، لكنه آثر أن يبقى على متن الطائرة ‘إير فورس ون’ التي كان يُفترض أن تكون هدفًا محتملاً لصاروخ إيراني موجه بالحرارة!!
بينما أُخرج ترمب سرًا من الطائرة بعدما التقطت عدسات التلفزيون صوره وهو يصعد درجات سلّمها، ونُقل إلى طائرة من طراز C-32A (النسخة العسكرية من بوينغ 757)، أقلته سرًا إلى قاعدة RAF Mildenhall في بريطانيا بمرافقة مقاتلات F-16، قبل إن يستقل “القصر الطائر” عائدًا إلى واشنطن)، بينما بقي مسؤولون أمريكيون وصحافيون على متن الطائرة الأصلية التي استمرت في التحليق كطائرة تضليل decoy aircraft أو “طُعم”!!!
صحيح أن “الخدمة السرية” كأي جهاز أمني محترف لا يملك رفاهية تجاهل تهديد محتمل مهما كان ضعيفًا، لأن ثمن المخاطرة قد يكون حياة الرئيس البرتقالي. (علمًا بأنه منذ اغتيال الرئيس ‘جون كينيدي’ عام 1963، طورت الرئاسة الأمريكية منظومة أمنية تقوم على التضليل والحماية المتعددة الطبقات، من السيارات المتطابقة في المواكب الرئاسية إلى تغيير مسارات الحركة وتوقيتاتها).
لكن السؤال المحيّر هنا هو: إذا كان الخطر بالغًا إلى درجة إجلاء الرئيس من الطائرة، فلماذا بقي ‘روبيو’ ووزير الخزانة ‘سكوت بيسنت’ ومسؤولون آخرون وإعلاميون على متنها؟ وإذا كان التهديد غير مؤكد ومشكوك في مصدره، فلِم كان التسرّع بإخراج هذا الفيلم الهندي ولماذا استمر التعتيم “الرسمي” وتضاربت الروايات؟
لعل المفارقة الأهم أن ترمب نفسه (الذي بنى صورته السياسية على القوة والسيطرة) لم يكن صاحب القرار في تلك اللحظة. الزعيم الذي يملك قرار شن الحرب وحصد أرواح ملايين البشر بكبسة زر نووي، اعترف على الملأ -في تعقيبه على القصة- بأنه في مثل تلك الظروف “لا يملك إلا أن يتبع تعليمات الخدمة السرية”.
أما المفارقة الأخرى، فصنعتها المقارنات “الإعلامية” بين قصة إخفاء ترمب لأسباب أمنية وشواهد اختفاء غريمه الإيراني المرشد ‘مجتبى خامنئي’ عن الأنظار منذ خلافته لوالده الذي قُتل في غارة أمريكية إسرائيلية نهاية فبراير الماضي. وبنفس المنطق، تجري المقارنة مع سيناريوهات إخفاء الرئيس الروسي ‘فلاديمير بوتين’ بإجراءات “تمويه” بالغة التعقيد، بلغت حد تتبّع الصحافيين الاستقصائيين معدل ذبول أوراق النباتات المزروعة في أوانٍ داخل مكتبه للتحقق مما إذا كانت اجتماعاته المتلفزة قد حدثت بالفعل في التواريخ المعلنة أم لا، حسب التحقيق المنشور في ‘نيويورك تايمز’، فضلًا عن التقارير المتداولة عن بناء مكاتب متطابقة كلياً في مدن روسية مختلفة، وتسيير قطارات شبحية على خطوط حديدية سرية، وكلها أجزاء من منظومة صُممت بعناية لإخفاء تحركات بوتين اليومية.
وهنا تلتقي حالة ترمب مع حالتي خامنئي وبوتين في إطار رمزي شديد الدلالة، عبّر عنه ببلاغة ‘مكيافيلي’ في كتابه الشهير “الأمير” The Prince بقوله “يغدو الاختفاء سلاحاً مزدوجاً يعكس القيمة الفائقة للزعيم وهشاشته القاتلة في الوقت ذاته”.
والحقيقة أن ظاهرة “إخفاء الزعيم” لحمايته، لها جذور قديمة في التاريخ السياسي تعود إلى عام 1651، عندما اختبأ الملك تشارلز الثاني بعد هزيمته في معركة ‘ووستر’ خلال الحرب الأهلية الإنجليزية من جنود ‘أوليفر كرومويل’ داخل شجرة بلوط، قبل أن يفر إلى فرنسا ويعود لاحقًا إلى العرش.
وفي عام 1848، فرّ الزعيم النمساوي ‘كليمنس فون مترنيخ’ من فيينا أثناء الثورة، وصورته الرسوم الساخرة مختبئًا في عربة غسيل ملابس قبل أن يصل إلى لندن.
أما الزعيم الشيوعي ‘فلاديمير لينين’، فلجأ إلى “التخفي” من أجل الوصول إلى السلطة، عندما نُقل سرًا من زيورخ إلى روسيا عام 1917 في قطار عبر ألمانيا والسويد وفنلندا، ليدخل الكريملين لاحقًا عبر بوابة الثورة البلشفية.
كما عاش الإمبراطور الياباني ‘هيروهيتو’ لعقود خلف جدران القصر الإمبراطوري، تحيط به هالة شبه مقدسة، قبل هزيمة بلاده في الحرب العالمية الثانية، وظهوره بعد عقود كشخص أقل من العادي خلال زيارته لمدينة ملاهي ‘ديزني لاند’ في كاليفورنيا عام 1975.
