أخبارإبداعات عربيةالشرق قادمعاجلمتنوعاتمقالات

فى زكرى وفاته الثامنة: كيف كشف المفكر المصرى سمير أمين اقتصاديات المركز والهامش في النظام الرأسمالي العالمي؟

بقلم: سمير سليم 

عندما نتحدث عن الرأسمالية، فإن أغلب التحليلات تركز عادة على ما يحدث داخل الدولة الواحدة: العلاقة بين العمال وأصحاب رأس المال، توزيع الثروة، ودور السوق في تنظيم الاقتصاد. لكن المفكر المصري سمير أمين طرح سؤالًا أوسع وأكثر تعقيدًا:

هل تعمل الرأسمالية بالطريقة نفسها في كل دول العالم؟ أم أن النظام العالمي نفسه ينتج علاقات غير متكافئة بين الدول؟

من هذا السؤال بدأ مشروع فكري امتد لعقود طويلة، حاول من خلاله سمير أمين أن يفسر لماذا حققت بعض الدول تقدمًا اقتصاديًا كبيرًا، بينما بقيت دول أخرى، رغم اندماجها في الاقتصاد العالمي، تعاني من الفقر والتبعية وضعف القدرة على اتخاذ قراراتها الاقتصادية بشكل مستقل.

لم يكن سمير أمين مجرد اقتصادي يدرس الأرقام والمؤشرات، بل كان مفكرًا عالميًا حاول فهم حركة التاريخ والاقتصاد من منظور مختلف. فقد رأى أن العالم لا يتكون فقط من دول غنية وأخرى فقيرة بصورة عابرة، بل من نظام اقتصادي عالمي تشكل عبر قرون، وجعل بعض المناطق في موقع القوة والسيطرة، بينما وضع مناطق أخرى في موقع التابع.

ولهذا أصبح واحدًا من أبرز مفكري ما عُرف باسم نقد التبعية، ومن أهم الأصوات التي حاولت تطوير الفكر الماركسي ليتعامل مع واقع مختلف عن واقع أوروبا في القرن التاسع عشر.

ولد سمير أمين في القاهرة عام 1931، لأب مصري وأم فرنسية، ونشأ في بيئة جمعت بين ثقافتين مختلفتين. درس في مصر ثم انتقل إلى فرنسا لاستكمال تعليمه، حيث درس الاقتصاد والعلوم السياسية، وهناك بدأ يتشكل اهتمامه بالقضايا الكبرى المتعلقة بالتنمية والتفاوت بين الدول.

لكن تجربته الفكرية لم تتشكل داخل الجامعات فقط، بل أيضًا من خلال ملاحظته للواقع الذي عاشته البلدان المستعمَرة سابقًا. فقد رأى أن حصول هذه الدول على الاستقلال السياسي لم يكن يعني بالضرورة امتلاكها استقلالًا اقتصاديًا حقيقيًا، لأن العلاقات الاقتصادية الدولية ظلت في كثير من الأحيان قائمة على أنماط قديمة من عدم المساواة.

ومن هنا بدأ يطرح سؤالًا أساسيًا:

هل يمكن للدول الفقيرة أن تتطور داخل نفس القواعد التي وضعها النظام الاقتصادي العالمي، أم أن هذه القواعد نفسها تعيد إنتاج الفوارق؟

كانت هذه الفكرة محورًا رئيسيًا في أعماله اللاحقة.

ففي الوقت الذي كان فيه بعض الاقتصاديين يرون أن التنمية مجرد مرحلة تمر بها كل الدول، وأن اللحاق بالدول المتقدمة مسألة وقت، قدم سمير أمين رؤية مختلفة. فقد رأى أن المشكلة ليست أن بعض الدول تأخرت فقط، بل أن طريقة عمل النظام العالمي نفسه ساهمت في إنتاج هذا التأخر.

وهنا ظهر مفهومه الشهير عن المركز والهامش.

فالمركز، حسب تحليله، يشير إلى الدول التي تتركز فيها القوة الاقتصادية والتكنولوجية والمالية، والتي تمتلك قدرة أكبر على تحديد قواعد التجارة والاستثمار والإنتاج العالمي.

أما الهامش فهو الدول التي ترتبط بهذا النظام العالمي، لكنها تدخل فيه من موقع أضعف، وغالبًا ما تعتمد على تصدير المواد الأولية أو المنتجات ذات القيمة المضافة المحدودة، بينما تستورد التكنولوجيا والسلع الأكثر تقدمًا.

ولم يكن سمير أمين يرى أن هذا التقسيم نتيجة طبيعية لاختلاف قدرات الشعوب، بل نتيجة تاريخ طويل من العلاقات الاقتصادية والسياسية التي بدأت مع الاستعمار واستمرت بأشكال جديدة بعد انتهاء السيطرة المباشرة.

فالعالم، في رأيه، لم يصبح أكثر مساواة بمجرد انتشار التجارة العالمية، لأن المشاركة في السوق لا تعني دائمًا امتلاك القوة نفسها داخل هذا السوق.

فالدولة التي تملك التكنولوجيا ورأس المال والمؤسسات المالية ليست في نفس موقع الدولة التي تعتمد على تصدير مواردها الطبيعية أو جذب الاستثمارات الأجنبية وفق شروط يحددها الآخرون.

ومن هنا جاء نقده لفكرة أن النمو الاقتصادي وحده يكفي لتحقيق التنمية.

فقد كانت بعض الدول تحقق معدلات نمو مرتفعة، لكنها في الوقت نفسه تظل مرتبطة اقتصاديًا بالخارج، ولا تمتلك القدرة الكافية على التحكم في مسار إنتاجها أو تحديد أولوياتها الاجتماعية.

وكان سمير أمين يؤكد أن التنمية الحقيقية لا تعني فقط زيادة الإنتاج، بل تعني امتلاك المجتمع القدرة على تحديد طريقه الاقتصادي بما يخدم احتياجاته الخاصة.

ولهذا لم يكن نقده موجهًا ضد التبادل بين الدول أو ضد استخدام التكنولوجيا الحديثة، بل ضد شكل معين من الاندماج في الاقتصاد العالمي يجعل بعض المجتمعات مجرد أسواق أو مصادر للمواد الخام والعمالة منخفضة التكلفة.

ومن هنا انتقل سمير أمين إلى واحدة من أهم أفكاره، وهي فكرة فك الارتباط.

ولم يكن يقصد بها الانعزال عن العالم أو قطع العلاقات الاقتصادية الدولية، كما فُهم أحيانًا، بل كان يقصد إعادة تنظيم هذه العلاقات بحيث لا تكون الدول التابعة مضطرة إلى اتباع القواعد التي تخدم مصالح القوى الاقتصادية الكبرى فقط.

كان يرى أن على الدول أن تبني سياسات تنموية مستقلة نسبيًا، تعتمد على تطوير قدراتها الداخلية، وتقوية الإنتاج المحلي، وتوجيه الاقتصاد لخدمة المجتمع قبل خدمة الأسواق العالمية.

وبهذه الأفكار أصبح سمير أمين واحدًا من أبرز المفكرين الذين حاولوا إعادة النظر في مفهوم التنمية نفسه، ليس باعتباره مجرد زيادة في الثروة، بل باعتباره قضية مرتبطة بالسيادة والعدالة والقدرة على الاختيار.

سمير أمين: كيف كشف اقتصاديات المركز والهامش في النظام الرأسمالي العالمي؟

لم يكن نقد سمير أمين للرأسمالية العالمية مجرد رفض للعولمة أو للتبادل الاقتصادي بين الدول، بل كان محاولة لفهم القواعد التي تحكم هذا النظام، ولماذا تؤدي حركة رأس المال العالمية في كثير من الأحيان إلى زيادة التفاوت بدلًا من تقليله.

فقد رأى أن المشكلة الأساسية ليست في وجود علاقات اقتصادية بين الدول، بل في طبيعة هذه العلاقات. فالعالم الذي تحكمه المنافسة الحرة ظاهريًا لا يعمل دائمًا وفق شروط متساوية، لأن الدول تدخل هذا النظام وهي تمتلك قدرات مختلفة تاريخيًا وتكنولوجيًا وماليًا. ولذلك فإن فتح الأسواق وحده لا يؤدي بالضرورة إلى التنمية، بل قد يؤدي أحيانًا إلى تثبيت مواقع القوة والضعف القائمة.

ولهذا وجه سمير أمين نقدًا واسعًا لما عُرف لاحقًا بسياسات التحرير الاقتصادي التي انتشرت منذ ثمانينيات القرن العشرين. فقد رأى أن الدعوة إلى تقليص دور الدولة وفتح الأسواق أمام رأس المال العالمي لم تكن حلًا لمشكلات الدول النامية، بل أدت في حالات كثيرة إلى زيادة اعتمادها على الاقتصاد العالمي بشروط غير متكافئة.

فالدولة التي تفتح أسواقها دون أن تمتلك قاعدة إنتاجية قوية، أو قدرة تكنولوجية مستقلة، قد تجد نفسها في وضع تصبح فيه التنمية مرتبطة بقرارات المستثمرين والأسواق الخارجية أكثر من ارتباطها باحتياجات المجتمع نفسه.

ومن هنا كان سمير أمين ينتقد الفكرة التي تعتبر أن طريق التنمية واحد أمام جميع الدول، وأن ما نجح في الدول الصناعية يمكن تطبيقه بصورة مباشرة في الدول الأخرى. فقد كان يرى أن لكل مجتمع تاريخه وظروفه وبنيته الاجتماعية، وأن التنمية الحقيقية تحتاج إلى مشروع يستند إلى الواقع المحلي وليس إلى تقليد نموذج جاهز.

نقد العولمة النيوليبرالية

مع نهاية القرن العشرين، أصبحت العولمة واحدة من أكثر القضايا التي أثارت النقاش بين المفكرين. فبينما رأى البعض أنها فتحت فرصًا جديدة للتقدم والتواصل بين الشعوب، رأى سمير أمين أنها حملت أيضًا مخاطر كبيرة عندما أصبحت خاضعة لمنطق رأس المال العالمي وحده.

فالعولمة، في تحليله، لم تكن مجرد انتشار للتكنولوجيا أو سهولة انتقال المعلومات، بل كانت أيضًا توسعًا لنفوذ الشركات الكبرى والأسواق المالية، بحيث أصبحت قرارات اقتصادية مؤثرة تُتخذ أحيانًا خارج نطاق المجتمعات والدول التي تتأثر بها.

وكان يخشى من أن يؤدي هذا المسار إلى عالم أكثر تركيزًا للثروة والقوة، حيث تستفيد منه المناطق التي تمتلك التكنولوجيا ورأس المال، بينما تتحمل المناطق الأضعف تكاليف المنافسة العالمية.

ولهذا كان يدعو إلى عولمة مختلفة، تقوم على التعاون بين الشعوب وليس على هيمنة منطق الربح فقط. فقد كان يؤمن بأن العلاقات الدولية يمكن أن تكون أكثر عدلًا إذا قامت على احترام استقلال المجتمعات وحقها في اختيار مسارها التنموي.

سمير أمين والاشتراكية الجديدة

رغم أن سمير أمين كان من أبرز المفكرين الماركسيين، فإنه لم يدافع عن النماذج الاشتراكية التي عرفها القرن العشرين باعتبارها تجارب مكتملة لا تقبل النقد.

بل كان يرى أن الاشتراكية يجب أن تكون مشروعًا ديمقراطيًا يهدف إلى تجاوز منطق السيطرة المطلقة لرأس المال، وليس مجرد تغيير في شكل الملكية.

فالمشكلة، في رأيه، ليست فقط من يملك المؤسسات الاقتصادية، بل أيضًا من يحدد الأولويات الاجتماعية، ومن يشارك في اتخاذ القرارات المتعلقة بالإنتاج والتنمية.

ولهذا كان قريبًا من التيارات التي دعت إلى اشتراكية ديمقراطية تضع الإنسان والمجتمع في مركز الاهتمام، وليس مجرد زيادة الإنتاج أو تحقيق النمو الاقتصادي بأي ثمن.

علاقته بالعالم العربي

شغل العالم العربي مكانة خاصة في فكر سمير أمين، ليس فقط لأنه مصري الأصل، بل لأنه رأى أن المنطقة العربية تمثل مثالًا مهمًا لفهم العلاقة بين الاقتصاد والسياسة والتاريخ.

فقد اهتم بقضايا التنمية العربية، وبمشكلات الاعتماد على تصدير المواد الخام، وبالتحديات التي تواجه بناء اقتصاد مستقل قادر على تلبية احتياجات السكان.

وكان يرى أن كثيرًا من أزمات المنطقة لا يمكن فهمها بعيدًا عن موقعها داخل النظام الاقتصادي العالمي، وأن التحرر السياسي يحتاج إلى دعائم اقتصادية واجتماعية حقيقية.

ولهذا ظل حاضرًا في النقاشات الفكرية العربية، خصوصًا بين الباحثين والمهتمين بقضايا التنمية والعدالة الاجتماعية.

تأثيره في الفكر العالمي.

لم يقتصر تأثير سمير أمين على العالم العربي أو الدول النامية، بل أصبح أحد الأسماء المهمة في النقاشات العالمية حول مستقبل الرأسمالية والعولمة.

فقد أثرت أفكاره في العديد من الباحثين الذين درسوا علاقات القوة داخل الاقتصاد العالمي، وفي الحركات التي انتقدت هيمنة المؤسسات المالية الدولية وسياسات السوق المفتوحة غير المشروطة.

وكانت أهميته أنه نقل النقاش حول الرأسمالية من مستوى الدولة الواحدة إلى مستوى النظام العالمي كله، موضحًا أن التفاوت بين الدول ليس مجرد نتيجة لاختلافات داخلية، بل مرتبط أيضًا بطريقة تنظيم الاقتصاد العالمي.

ما الذي يميز سمير أمين؟

ربما تكمن أهميته الأساسية في أنه أعاد طرح سؤال التنمية من زاوية مختلفة.

فبدلًا من السؤال التقليدي:

كيف تلحق الدول الفقيرة بالدول الغنية؟

طرح سؤالًا أكثر عمقًا:

هل يسمح النظام العالمي القائم أصلًا بهذا اللحاق، أم أنه ينتج باستمرار مراكز قوية ومناطق تابعة؟

ومن خلال هذا السؤال حاول أن يفتح الطريق أمام تفكير جديد في مستقبل الاقتصاد العالمي.

لم يكن سمير أمين يقدم حلولًا سهلة أو وصفات جاهزة، بل كان يدعو إلى إعادة التفكير في القواعد التي تحكم العالم، وإلى بناء علاقات اقتصادية أكثر عدلًا بين الشعوب.

يمثل سمير أمين أحد أبرز المفكرين الذين حاولوا فهم الرأسمالية ليس فقط من داخل المصنع أو السوق، بل من خلال الخريطة العالمية التي تحدد مواقع القوة والتبعية.

فقد رأى أن العالم لا يمكن أن يصبح أكثر عدلًا بمجرد زيادة التجارة أو انتشار الاستثمار، وإنما يحتاج إلى إعادة النظر في طبيعة العلاقات التي تربط بين الدول والمجتمعات.

وقد يختلف البعض مع بعض استنتاجاته، خصوصًا حول طبيعة الحلول التي اقترحها، لكن من الصعب إنكار أن مشروعه الفكري قدم مساهمة كبيرة في فهم الاقتصاد العالمي من منظور مختلف، وأعطى صوتًا لقضايا الجنوب التي كثيرًا ما غابت عن التحليلات التقليدية.

واليوم، مع عودة النقاش حول عدم المساواة العالمية، وأزمات الديون، وهيمنة الشركات الكبرى، ومستقبل العولمة، تبدو الأسئلة التي طرحها سمير أمين أكثر حضورًا من أي وقت مضى.

فالسؤال الذي تركه وراءه ليس فقط: لماذا توجد دول غنية وأخرى فقيرة؟

بل أيضًا:

كيف يمكن بناء عالم لا تكون فيه التنمية امتيازًا لبعض الشعوب، وإنما حقًا مشتركًا لكل المجتمعات؟

ولهذا يبقى سمير أمين واحدًا من أهم المفكرين الذين حاولوا قراءة الرأسمالية من موقع مختلف، موقع العالم الذي لم يكن دائمًا في مركز القوة، لكنه كان يبحث عن طريق أكثر استقلالًا وعدالة.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى