شخصيات عربيةعاجلمتنوعاتمقالات

فؤاد مرسي: كيف استطاعت الرأسمالية أن تجدد نفسها؟

بقلم:: سمير سليم  – الجزء الأول 

عندما نتحدث عن المفكرين الماركسيين العرب غالبًا ما ينصرف الاهتمام إلى الذين انشغلوا بالدفاع عن الاشتراكية أو نقد الرأسمالية أو تحليل الاستعمار والتبعية.

لكن فؤاد مرسي قدم زاوية مختلفة تستحق التوقف عندها.

فهو لم يكتفِ بالسؤال التقليدي حول مستقبل الرأسمالية أو موعد انهيارها، وإنما طرح سؤالًا أكثر صعوبة كيف استطاعت الرأسمالية أن تبقى وتتغير وتتجاوز الأزمات التي توقع كثيرون أنها ستقود إلى نهايتها؟

كان هذا السؤال هو المدخل الأساسي إلى كتابه المهم «الرأسمالية تجدد نفسها» الذي صدر في مارس 1990 ضمن سلسلة «عالم المعرفة» الكويتية، في لحظة تاريخية كان العالم يستعد فيها لدخول مرحلة جديدة. 

ولذلك فإن أهمية فؤاد مرسي اليوم لا ترتبط فقط بانتمائه إلى اليسار المصري، وإنما بقدرته على قراءة الرأسمالية باعتبارها نظامًا يتغير باستمرار لكي يحافظ على وجوده وهذه الفكرة تبدو أكثر أهمية الآن، بعد مرور أكثر من ثلاثة عقود على صدور كتابه.

مناضل ماركسي واقتصادي مصري

ولد فؤاد مرسي في الإسكندرية عام 1925، ودرس القانون ثم حصل على الدكتوراه في الاقتصاد السياسي من السوربون عام 1949، وعمل بالتدريس الجامعي وارتبط منذ شبابه بالحركة الشيوعية المصرية. وتوفي في سبتمبر 1990، بعد أشهر قليلة من صدور كتابه الأخير. 

لكن اختزال تجربته في نشاطه السياسي لا يعطي صورة كاملة عن الرجل فقد كان اهتمامه الأساسي هو الاقتصاد السياسي.

اشتغل على قضايا الاشتراكية والتنمية والاقتصاد الدولي، وكتب عددًا من الأعمال التي حاول من خلالها تقديم الفكر الاشتراكي للقارئ العربي، ومن بينها «مدخل إلى الاشتراكية» الذي صدر في الثمانينيات. 

وكان يرى أن الاشتراكية لا يمكن أن تكون مجرد شعار سياسي، وإنما ينبغي أن ترتبط بفهم علمي لطبيعة الاقتصاد والمجتمع.

ومن هنا جاء اهتمامه بالرأسمالية نفسها فلا يمكن بناء بديل للرأسمالية من دون فهم الآليات التي تجعلها قادرة على الاستمرار.

الرأسمالية ليست نظامًا ثابتًا

الفكرة المركزية عند فؤاد مرسي يمكن تلخيصها في أن الرأسمالية ليست نظامًا جامدًا.

فخلال القرن العشرين تعرضت لأزمات وحروب وثورات وحركات تحرر وانقسامات دولية ومنافسة اشتراكية، كما فقدت كثيرًا من مستعمراتها القديمة.

ومع ذلك لم تختفِ بل استطاعت أن تغير أشكالها وأن تعيد تنظيم قواها الإنتاجية وعلاقاتها الاقتصادية.

وهنا تكمن أهمية عنوان كتابه نفسه:

«الرأسمالية تجدد نفسها».

فمرسي لم يكن يقول إن الرأسمالية تخلصت من تناقضاتها، وإنما كان يحاول تفسير قدرتها على التعامل مع هذه التناقضات وإعادة إنتاج نفسها. ويصف المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب كتابه بأنه دراسة للتغيرات الكبرى التي شملت الرأسمالية، وقدرتها على تجديد قواها الإنتاجية وإعادة تنظيم علاقاتها الإنتاجية. 

وهذه نقطة مهمة جدًا.

لأن هناك فرقًا بين القول إن النظام لا يعاني من أزمات، وبين القول إنه يستطيع تحويل الأزمات إلى فرص لإعادة التنظيم والتكيف وفؤاد مرسي كان أقرب بوضوح إلى الفكرة الثانية.

الثورة العلمية والتكنولوجية

أحد أهم مفاتيح تفسير تجدد الرأسمالية عند مرسي كان العلم والتكنولوجيا فالرأسمالية التي دخلت نهاية القرن العشرين لم تعد هي الرأسمالية الصناعية التي عرفها القرن التاسع عشر.

لقد تغيرت طبيعة الإنتاج.

وأصبح البحث العلمي والتكنولوجيا والابتكار عوامل أساسية في تحديد القوة الاقتصادية.

لم تعد الثروة مرتبطة فقط بامتلاك المناجم والمصانع والأراضي، بل أصبح امتلاك المعرفة والقدرة على تطوير التكنولوجيا عنصرًا أساسيًا في المنافسة.

ولهذا خصص مرسي جزءًا مهمًا من كتابه لدراسة الثورة العلمية والتكنولوجية، بدءًا من دلالاتها ثم أبعادها ونتائجها الاقتصادية والاجتماعية. 

وهنا تكمن واحدة من أكثر أفكاره أهمية فالرأسمالية لم تواجه التطور العلمي باعتباره تهديدًا لها، بل استطاعت أن تستوعبه داخل عملية تراكم رأس المال وهكذا أصبحت التكنولوجيا إحدى أدوات تجدد النظام.

من المصنع إلى معامل البحث

هذا التحول أدى إلى تغيير مفهوم القوة الاقتصادية نفسه في مرحلة سابقة كان امتلاك المصانع والمناجم والموارد الطبيعية يمثل أحد أهم مصادر القوة.

أما في الرأسمالية المتطورة فقد أصبحت المعرفة والبحث العلمي والتكنولوجيا جزءًا أساسيًا من القوة الإنتاجية.

وهذا ما لاحظه مرسي بوضوح.

فمع تغير طبيعة الإنتاج أصبحت معامل البحث والتطوير ذات أهمية متزايدة، وأصبحت المعرفة العلمية قادرة على إنتاج سلع وتقنيات وأسواق جديدة.

وبذلك لم تعد الرأسمالية تعتمد فقط على الموارد التي تستخرجها من الطبيعة، وإنما أصبحت قادرة على استخدام العلم لإنتاج بدائل جديدة وتطوير وسائل إنتاج جديدة وهنا نجد تفسيرًا مهمًا لقدرتها على الاستمرار.

رأسمالية ما بعد الصناعة

لم يكن مرسي يتحدث عن الرأسمالية القديمةكان يحاول وصف ما أسماه رأسمالية ما بعد الصناعةظوهي مرحلة تتغير فيها طبيعة الاقتصاد، وتزداد فيها أهمية التكنولوجيا والخدمات والمعرفة والبحث العلمي، وتتراجع بعض الأشكال التقليدية للصناعة في المراكز الرأسمالية المتقدمة.

وقد خصص كتابه لدراسة ما سماه الرأسمالية المرتبطة بالثورة التكنولوجية، والرأسمالية المتخطية للقوميات، والرأسمالية القادرة على التكيف. 

وهذا يعني أن مرسي لم ينظر إلى الرأسمالية باعتبارها مجرد علاقة بين الرأسمالي والعامل داخل مصنع.

بل رأى أنها منظومة عالمية قادرة على إعادة ترتيب الإنتاج نفسه.

الرأسمالية المتخطية للقوميات

من التحولات التي لفت إليها مرسي صعود الشركات التي تجاوز نشاطها حدود الدولة الوطنية.

فالإنتاج يمكن أن يتم في دولة والتمويل في دولة أخرى.زوالبحث العلمي في دولة ثالثة والتسويق في عشرات الدول وبذلك أصبحت الرأسمالية أكثر قدرة على توزيع عملية الإنتاج عالميًا.

وهذا التحول لم يكن مجرد نتيجة للتكنولوجيا، وإنما أصبح أحد أدوات إعادة تنظيم الرأسمالية العالمية.

فالمال يتحرك عبر الحدود والإنتاج ينتقل من مكان إلى آخر.والشركات تبحث عن الأسواق والعمالة والمواد الخام والظروف الأكثر ملاءمة لتراكم رأس المال.

وهنا بدأت ملامح الاقتصاد العالمي الجديد في الظهور بصورة أكثر وضوحًا.

إعادة توزيع الصناعة عالميًا

من أكثر أفكار مرسي أهمية، والتي تستحق إعادة القراءة اليوم، تحليله لإعادة توزيع النشاط الصناعي بين مناطق العالم.

فالرأسمالية المتقدمة لم تعد تحتفظ بكل مراحل الإنتاج داخل حدودها.

بدأت أجزاء متزايدة من الصناعة تنتقل إلى الجنوب العالمي، بينما احتفظت المراكز المتقدمة بأجزاء أكثر ارتباطًا بالتكنولوجيا والتمويل والبحث والتطوير.

وقد أشار العرض الرسمي لكتاب مرسي إلى تحليله لما سماه إعادة نشر الصناعة جنوبًا وإعادة نشر الزراعة شمالًا، باعتبارهما من الآليات الجديدة للرأسمالية المعاصرة. 

وهذه الفكرة شديدة الأهمية بالنسبة لنا اليوم.

فالعولمة لم تعنِ ببساطة انتقال الرأسمالية من الغرب إلى بقية العالم.

بل أدت إلى إعادة توزيع جغرافي للوظائف الاقتصادية داخل النظام الرأسمالي العالمي.

وهذا لا يعني بالضرورة أن الدول التي استقبلت الصناعة أصبحت مراكز مستقلة في النظام العالمي.

بل قد يحدث العكس:قد تنتقل الصناعة بينما تبقى التكنولوجيا والتمويل والقرار الاقتصادي متركزة في المراكز الكبرى.

وهنا تظهر واحدة من أكثر القضايا أهمية في تحليل الرأسمالية العالمية.

هيمنة رأس المال المالي لاحظ مرسي أيضًا صعود دور رأس المال المالي.فالرأسمالية المعاصرة لم تعد تعتمد فقط على إنتاج السلع داخل المصانع.

أصبح المال نفسه يتحرك عالميًا بسرعة كبيرة.

وأصبحت المؤسسات المالية والأسواق المالية والشركات متعددة الجنسيات عناصر أساسية في النظام الاقتصادي العالمي.

ولهذا تناول مرسي هيمنة الرأسمالية المالية باعتبارها إحدى الآليات الجديدة التي تميز الرأسمالية المعاصرة. 

وهذا التحليل يكتسب أهمية إضافية عندما نقرأه بعد أزمة 2008 وبعد التوسع الهائل في الأسواق المالية العالمية.

فالرأسمالية لم تعد فقط نظامًا لإنتاج السلع إنها أيضًا نظام شديد التعقيد لتوظيف رأس المال وتحريكه واستثماره عالميًا.

ماذا حدث للدول النامية؟

هنا تنتقل أهمية فؤاد مرسي من تحليل الرأسمالية في مراكزها إلى سؤال العلاقة بين المركز والأطراف.

فاستقلال الدول المستعمرة سياسيًا لم يعنِ بالضرورة خروجها من النظام الرأسمالي العالمي.

بل استطاعت الرأسمالية، وفق تحليل مرسي، أن تعيد إدماج كثير من المستعمرات القديمة في النظام العالمي باعتبارها أطرافًا لمراكز الرأسمالية. 

وهذه ملاحظة شديدة الأهمية. فالتبعية لم تعد تحتاج دائمًا إلى الاحتلال المباشر يمكن أن تتحقق من خلال التجارة والتمويل والاستثمار والتكنولوجيا وتقسيم العمل الدولي.

وبذلك يصبح الاستقلال السياسي شيئًا، والاستقلال الاقتصادي شيئًا آخر.

وهذه النقطة تفتح الطريق مباشرة إلى الأسئلة التي سيطورها لاحقًا مفكرون مثل سمير أمين حول المركز والأطراف والتبعية.

هل انتهت التناقضات الرأسمالية؟

هنا يجب ألا نسيء فهم فؤاد مرسي فهو لم يقل إن الرأسمالية أصبحت نظامًا مثاليًا. ولم يعتبر أن قدرتها على التجدد تعني أنها تخلصت من طبيعتها الاستغلالية بل إن قراءات لاحقة لكتابه شددت على أن إدراكه لقدرة الرأسمالية على التجدد لم يكن مساويًا لاعتبارها نهاية التاريخ أو حلًا نهائيًا لمشكلات الإنسان. 

وهذه نقطة أساسية فمرسي كان يحاول أن يكون موضوعيًا في تشخيص قوة خصمه.وهذا في حد ذاته درس مهم لأي فكر نقدي.

فالخصم لا يصبح أضعف لأننا نتمنى ضعفه.ولا يصبح النظام قريبًا من الانهيار لأننا نكرر أنه سينهار.بل ينبغي أن نفهم أولًا: كيف يعمل؟

كيف يتغير؟

كيف يتجاوز أزماته؟

وكيف يعيد إنتاج علاقاته؟

زر الذهاب إلى الأعلى