رئيس مركز التعاون العربي الروسي: الاقتصاد الروسي صمد أمام العقوبات.. الرهان على انهيار الاقتصاد الروسي لم يتحقق بالشكل الذي توقعه البعض
وضاح الجندى: الحرب تفرض تكاليف متزايدة وموسكو صامدة

حوار: سمير سليم
منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، لم تتوقف التوقعات الغربية بشأن قدرة العقوبات الاقتصادية على إنهاك الاقتصاد الروسي ودفع موسكو إلى التراجع عن مواصلة الحرب. ومع مرور السنوات، دخل الاقتصاد الروسي اختبارًا غير مسبوق، بين العقوبات الغربية، وتكاليف الإنفاق العسكري، واستهداف منشآت الطاقة والمواصلات والمنشآت الاقتصادية.
لكن الصورة التي تظهر اليوم تبدو أكثر تعقيدًا من سيناريو الانهيار الذي راهن عليه البعض. فالاقتصاد الروسي، رغم الضغوط الكبيرة، لا يزال قادرًا على تحقيق نمو، وإن كان بطيئًا، كما تمكنت موسكو من التعامل مع جانب كبير من تداعيات العقوبات وإعادة ترتيب علاقاتها الاقتصادية والتجارية.
وفي الوقت نفسه، أصبحت الضربات الأوكرانية التي تستهدف منشآت الطاقة والنفط ومستودعات توزيع البضائع جزءًا من معركة اقتصادية موازية للحرب العسكرية، تستهدف رفع تكلفة الحرب على روسيا والتأثير في قدرتها على الاستمرار.
حول واقع الاقتصاد الروسي، وقدرته على تحمل العقوبات وتكاليف الحرب، كان هذا الحوار مع الأستاذ وضاح الجندي، رئيس مركز التعاون العربي الروسي.
أستاذ وضاح، منذ بداية الحرب كان هناك رهان غربي على أن العقوبات ستؤدي في النهاية إلى اختناق الاقتصاد الروسي. لكن ما نراه اليوم يبدو مختلفًا.
كيف تقرأون الوضع الاقتصادي الروسي؟
الاقتصادي الروسي يخالف إلى حد كبير جميع التوقعات السلبية التي راهنت على اختناقه جراء العقوبات المتصاعدة، وتكاليف الحرب، وآثار الضربات التي تستهدف مجالات الطاقة والمواصلات وغيرها.
فالبيانات الحديثة لا تزال تُظهر نموًا، وإن كان بطيئًا.
هل يعني ذلك أن الاقتصاد الروسي تمكن من تجاوز آثار العقوبات الغربية؟
من الواضح أن الاقتصاد الروسي استطاع التعامل مع جانب كبير من الضغوط التي فرضتها العقوبات.
لكن هذا لا يعني أن العقوبات لم يكن لها تأثير، أو أن الحرب لم تفرض تكاليف كبيرة على الاقتصاد الروسي.
المهم أن الرهان على انهيار الاقتصاد الروسي لم يتحقق بالشكل الذي توقعه البعض.
النمو الاقتصادي في ظل الحرب
هناك أرقام حديثة تشير إلى عودة الاقتصاد الروسي إلى النمو. ماذا تقول هذه الأرقام عن قدرة الاقتصاد على الصمود؟
عاد الاقتصاد الروسي إلى تحقيق نمو خلال الفترة الممتدة بين أبريل ويونيو، للمرة الأولى منذ عام 2023.
كما سجل الناتج المحلي الإجمالي توسعًا نسبته 0.6% خلال النصف الأول من العام، متجاوزًا توقعات الحكومة والبنك المركزي.
وهذه المؤشرات تعكس أن الاقتصاد الروسي لا يزال قادرًا على العمل وتحقيق نمو، رغم الظروف الاستثنائية التي يمر بها.
لكن كيف يمكن فهم استمرار النمو في اقتصاد يعيش حربًا وتفرض عليه عقوبات واسعة؟
يجب النظر إلى الاقتصاد الروسي باعتباره اقتصادًا استطاع التكيف مع الظروف الجديدة.
العقوبات وتكاليف الحرب والضربات التي تستهدف قطاعات مختلفة فرضت ضغوطًا حقيقية، لكن الاقتصاد لم يتوقف، بل استمر في العمل وتحقيق النمو.
وهذا هو الجانب الذي خالف كثيرًا من التوقعات التي كانت تتحدث عن انهيار سريع للاقتصاد الروسي.
ضرب منشآت الطاقة.. هل بدأت تؤثر؟
ننتقل إلى نقطة مهمة، وهي استهداف أوكرانيا لمنشآت الطاقة والنفط الروسية. إلى أي مدى يمكن لهذه الضربات أن تؤثر في الاقتصاد؟
الرئيس الروسي نفسه اعترف بأن الضربات الأوكرانية تُلحق ضررًا باقتصاد بلاده، لكنه شدد في الوقت نفسه على إمكانية تفادي هذه الأضرار والتعامل مع تداعياتها.
وهذا يعني أن موسكو تدرك وجود تأثير اقتصادي لهذه الضربات، لكنها في الوقت نفسه ترى أنها قادرة على احتواء آثارها.
إذن، هل يمكن القول إن استهداف قطاع الطاقة أصبح جزءًا أساسيًا من استراتيجية الضغط على روسيا؟
بالتأكيد، فالضربات التي تستهدف مجالات الطاقة والمواصلات وغيرها لا تحمل فقط أبعادًا عسكرية، وإنما لها تأثير اقتصادي أيضًا.
ومن الواضح أن إلحاق الضرر بهذه القطاعات يمكن أن يرفع تكلفة الحرب ويؤثر في النشاط الاقتصادي.
لكن السؤال الأهم يظل متعلقًا بقدرة روسيا على التعامل مع هذه الأضرار وتعويض آثارها.
هل يمكن أن ينجح الضغط الاقتصادي حيث فشلت العقوبات؟
هناك من يرى أن استهداف المنشآت الاقتصادية الروسية بالمسيّرات يمكن أن يحقق ما لم تتمكن العقوبات وحدها من تحقيقه، أي الضغط المباشر على الاقتصاد. هل تتفق مع هذا التقدير؟
استهداف المنشآت الاقتصادية والطاقة يمكن أن يلحق أضرارًا ملموسة، وهذا أمر أقر به الجانب الروسي نفسه.
لكن من الصعب القول إن هذه الضربات ستؤدي وحدها إلى خنق الاقتصاد الروسي.
روسيا لا تواجه فقط العقوبات، وإنما تتعامل أيضًا مع الضربات العسكرية، ومع ذلك لا يزال الاقتصاد قادرًا على تحقيق النمو.
هل يستطيع الاقتصاد الروسي تحمل حرب طويلة؟
السؤال الأهم بالنسبة للكثير من المراقبين: هل يستطيع الاقتصاد الروسي تحمل حرب طويلة، في ظل استمرار الإنفاق العسكري واستهداف منشآت الطاقة؟
من وجهة نظري، سيفشل من يراهن على أن هذا التصعيد وحده سيثني بوتين عن المضي قدمًا في مخططه نحو النتيجة التي يرنو إليها.
بل على الأرجح أن يرد بقوة أكبر، كما لاحظنا في أكثر من مناسبة.
والعامل الاقتصادي جزء أساسي من قدرة روسيا على مواصلة الحرب، خصوصًا أن الاقتصاد تمكن حتى الآن من الصمود أمام العقوبات والتكاليف المتزايدة.
الاقتصاد جزء من معركة الاستنزاف
إذا كانت الضربات على منشآت الطاقة والاقتصاد تهدف إلى رفع تكلفة الحرب، وفي المقابل تواصل روسيا الإنفاق العسكري والرد بضربات مماثلة، فهل نحن أمام حرب استنزاف اقتصادية إلى جانب الحرب العسكرية؟
بالتأكيد، هناك جانب اقتصادي واضح في هذه الحرب.
استهداف الطاقة والمواصلات والمنشآت الاقتصادية ومستودعات البضائع الكبرى يهدف إلى إلحاق أضرار بالقدرة الاقتصادية، بينما ترد روسيا باستهداف منشآت الطاقة والوقود والمجمع الصناعي والمنشآت المرتبطة بالاقتصاد الأوكراني.
وبالتالي أصبحت المعركة الاقتصادية جزءًا لا ينفصل عن المعركة العسكرية.
هل تغيرت معادلة الحرب؟
في رأيك، هل يمكن أن يؤدي استمرار استهداف الاقتصاد الروسي إلى تغيير المعادلة العسكرية والسياسية؟
يمكن لهذه الضربات أن تلحق أضرارًا بالاقتصاد الروسي، وهذا أمر لا يمكن إنكاره.
لكن من الخطأ افتراض أن كل ضرر اقتصادي يؤدي بالضرورة إلى تغيير الموقف السياسي أو العسكري الروسي.
الرئيس الروسي أقر بوجود أضرار، لكنه أكد في الوقت نفسه إمكانية تفاديها والتعامل مع تداعياتها.
ومن هنا فإن الرهان على أن الضربات الاقتصادية ستؤدي تلقائيًا إلى تغيير موقف موسكو يحتاج إلى قدر كبير من الحذر.
روسيا والرد على التصعيد
أنت تشير إلى أن روسيا قد ترد بقوة أكبر. كيف يمكن أن يؤثر التصعيد الاقتصادي في شكل الرد الروسي؟
لاحظنا في أكثر من مناسبة أن روسيا ترد على استهداف منشآتها بضربات مقابلة.
وفي الوقت الحالي، يتابع المراقبون تضاعف قوة الضربات الروسية، سواء على منشآت المجمع الصناعي الأوكراني، أو محطات الطاقة والوقود، أو مستودعات البضائع الكبرى، في رد مماثل على استهداف أوكرانيا لمنشآت روسية.
وقد ظهرت آثار هذه الضربات في صورة أعمدة الدخان والحرائق وانقطاع التيار الكهربائي في العاصمة كييف ومدن أخرى.
بين الصمود الاقتصادي وتكلفة الحرب
في ضوء كل ما سبق، كيف يمكن تلخيص وضع الاقتصاد الروسي اليوم؟ هل هو اقتصاد قوي أم اقتصاد يتحمل ضغوطًا كبيرة؟
الاقتصاد الروسي يواجه بالتأكيد ضغوطًا كبيرة نتيجة العقوبات والحرب واستهداف بعض منشآته الاقتصادية.
لكن في المقابل، لا تزال البيانات تظهر نموًا، والاقتصاد استطاع تجاوز كثير من التوقعات التي كانت تتحدث عن انهياره.
لذلك فإن الصورة الحقيقية هي اقتصاد يتعرض لضغوط، لكنه في الوقت نفسه يملك قدرة على التكيف والاستمرار.
السؤال الأخير: هل ينجح الرهان على إنهاك روسيا؟
أخيرًا، هل تعتقد أن استمرار العقوبات واستهداف منشآت الطاقة والاقتصاد يمكن أن يدفع روسيا في النهاية إلى تغيير حساباتها بشأن الحرب؟
من وجهة نظري، سيفشل من يراهن على أن هذا التصعيد سيثني بوتين عن المضي قدمًا في مخططه نحو النتيجة التي يرنو إليها.
بل على الأرجح أن يرد بقوة أكبر، كما لاحظنا في أكثر من مناسبة.
والاقتصاد الروسي، رغم ما يتعرض له من ضغوط وأضرار، لا يزال قادرًا على الصمود والتعامل مع تداعيات الحرب والعقوبات.
كلمة أخيرة لوضاح: تكشف التجربة الروسية منذ بداية الحرب أن المعركة الاقتصادية لم تكن أقل أهمية من المعركة العسكرية.
فالعقوبات استهدفت الاقتصاد الروسي، بينما استهدفت المسيّرات منشآت الطاقة والمواصلات والمنشآت الاقتصادية، في محاولة لرفع تكلفة الحرب وإضعاف قدرة موسكو على الاستمرار.
لكن الاقتصاد الروسي لم ينهَر كما توقع كثيرون، بل تمكن من مواصلة العمل وتحقيق نمو، وإن كان بطيئًا، في الوقت الذي أقرت فيه القيادة الروسية بوجود أضرار اقتصادية نتيجة الهجمات، مؤكدة قدرتها على التعامل معها.
ويبقى السؤال مفتوحًا حول المدى الذي يمكن أن يصل إليه هذا الاستنزاف، وما إذا كانت الحرب الاقتصادية ستظل عامل ضغط، أم تتحول إلى عنصر جديد في تصعيد أوسع بين روسيا وأوكرانيا والدول الغربية الداعمة لكييف.
