أخبارالشرق قادمالهلال الخصيبعاجلمقالات

ما بعد الضربة

معتز منصور – كاتب وباحث سياسي

في واشنطن قد يبدو القرار العسكري مكتملًا لحظة صدوره: هدف يُحدد، طائرات تقلع، صواريخ تصيب مواقعها، ثم تُقاس النتائج بما دُمّر وما جرى تحييده. هذه هي الحرب من أعلى، حيث تبدو الجغرافيا مساحة تتحرك فوقها القوة، ويبدو الخصم مجموعة أهداف يمكن الوصول إليها. لكن الحرب لا تبقى داخل هذه الصورة طويلًا. الضربة التي استهدفت جزيرة لارك أعادت إلى الواجهة سؤالًا يتجاوز الجزيرة نفسها: ماذا يحدث عندما تخرج آثار القوة من المكان الذي استُخدمت فيه، وتبدأ في العودة إلى صاحبها عبر البحر والسوق والاقتصاد؟

لارك لا يمكن فصلها عن هرمز، وهرمز ليس مجرد مضيق تمر عبره ناقلات النفط، بل عقدة تربط الطاقة بالتجارة والنقل والصناعة والأسواق. لا يحتاج المضيق إلى إغلاق كامل حتى تبدأ كلفته بالظهور. يكفي أن ترتفع المخاطر كي ترتفع تكلفة التأمين والشحن، وأن تتحرك توقعات السوق قبل أن تتوقف الناقلات فعلًا. تبدأ رحلة الكلفة بعيدًا عن ساحة الحرب: من البحر إلى سعر النفط، ومن النفط إلى الوقود، ومن الوقود إلى النقل والغذاء والخدمات.

تدخل الحرب حياة الناس من دون أن يروها. المواطن الأميركي الذي لا يعرف أين تقع لارك يعرف سعر الديزل، ويعرف أن ارتفاعه لا يتوقف عند محطة الوقود. هناك شاحنة ستدفع أكثر، ومزارع سيشغّل معداته بتكلفة أعلى، ومصنع سيرفع كلفة إنتاجه، وشركة نقل ستعيد تسعير خدماتها، وأسرة ستكتشف أن حربًا تجري على بعد آلاف الكيلومترات أصبحت حاضرة في ميزانيتها. هذه ليست تفصيلة اقتصادية جانبية، بل واحدة من أهم نقاط الضعف في الحروب التي تخوضها قوة اعتادت طويلًا أن تجعل المسافة تحمي مجتمعها من كلفة قراراتها الخارجية.

الولايات المتحدة ما زالت القوة العسكرية الأعظم، ولا يحتاج الأمر إلى إنكار ذلك حتى نفهم حدودها. تستطيع واشنطن أن تختار مكان الضربة وموعدها وحجمها، لكنها لا تستطيع بالسهولة نفسها أن تختار رد فعل الأسواق، أو درجة المخاطرة التي تقبلها شركات الملاحة، أو مقدار ما سيرتفع معه سعر الطاقة، أو الطريقة التي ستنعكس بها هذه الزيادة على الداخل الأميركي. التفوق العسكري يمنح قدرة هائلة على الوصول إلى الخصم، لكنه لا يمنح السيطرة على العالم الذي يتحرك حول الخصم.

إيران لا تخرج من الحرب بلا ثمن. هي تدفع ثمنًا قاسيًا من الضربات والحصار والعقوبات والضغط الاقتصادي وتراجع صادراتها النفطية. جوهر المعادلة ليس في تجنب الكلفة، وإنما في القدرة على إعادة توزيعها. الطرف الأضعف عسكريًا لا يحتاج إلى منع خصمه من ضربه حتى يمنعه من تحويل الضربة إلى مكسب سياسي صافٍ. يكفي أن يمتلك جغرافيا حساسة، وأن يستطيع جعل الضغط عليه مرتبطًا بمصالح دول وأسواق وممرات لا تستطيع الطائرات وحدها إخضاعها.

الهيمنة ليست مجرد امتلاك عدد أكبر من الطائرات والصواريخ والقواعد، بل القدرة على تحويل هذا التفوق إلى قواعد يتصرف الآخرون داخلها، ثم تقديم هذه القواعد باعتبارها النظام الطبيعي للعالم. طوال عقود، لم تكن الولايات المتحدة تحاول فقط حماية مصالحها، بل كانت تمتلك قدرة استثنائية على تعريف ما هو أمن مشروع، وما هو تهديد، ومن يحق له الحركة، ومن يجب أن يدفع ثمن خروجه عن القواعد. القوة العسكرية كانت إحدى أدوات هذا النظام، لكنها لم تكن النظام كله.

مقاومة الهيمنة لا تشترط أن يمتلك الخصم قوة مساوية للقوة الأميركية. أحيانًا يكفي أن يستطيع تعطيل بعض آليات عملها، أو رفع كلفة استخدامها، أو منعها من تحويل تفوقها العسكري إلى طاعة سياسية. هرمز يكشف أن السيطرة على المجال العسكري لا تعني السيطرة الكاملة على الجغرافيا، وأن حماية النظام بالقوة يمكن أن تنتج في الوقت نفسه نقاطًا جديدة لمقاومته.

المشكلة بالنسبة إلى واشنطن أن هذا يحدث في عالم لم يعد يقبل بسهولة فكرة المركز الواحد. الصين معنية بتدفقات الطاقة والتجارة، وروسيا معنية بإعادة تشكيل أسواق الطاقة وموازين النفوذ، ودول الخليج نفسها تجد في الحماية الأميركية ضرورة، لكنها تدفع في الوقت ذاته كلفة اضطراب المنطقة عندما تتسع الحرب. كلما ارتفعت كلفة الاعتماد على مركز واحد، بدأت الدول في البحث عن هوامش أوسع للحركة. لا يعني ذلك أن النظام الأميركي ينهار بين ليلة وضحاها، لكنه يعني أن كل أزمة جديدة يمكن أن تدفع جزءًا من العالم إلى إعادة النظر في حدود اعتماده عليه.

الصراع حول هرمز جزء من صراع أكبر على قواعد النظام الدولي. الولايات المتحدة تريد أن تبقى القوة التي تستطيع حماية الممرات وتحديد شروط الأمن واستخدام القوة عندما ترى ذلك ضروريًا. قوى وخصوم متعددون يحاولون كسر احتكار هذه القدرة، كلٌ بأدواته ومصالحه. إيران تستخدم الجغرافيا والممرات والقدرة على رفع الكلفة، والصين وروسيا تتحركان داخل عالم تتسع فيه مراكز القوة، ودول أخرى تحاول تقليل اعتمادها على ترتيبات لا تملك السيطرة عليها.

قيمة المقاومة لا تختصر في قدرتها على الرد العسكري. الأهم أنها تمنع التفوق الأميركي من أن يتحول تلقائيًا إلى نتيجة سياسية. تستطيع واشنطن تدمير منشأة، لكنها لا تستطيع أن تضمن أن يؤدي تدميرها إلى إخضاع الإرادة المقابلة. وإذا كانت كل ضربة تفتح معها احتمالًا لاضطراب الطاقة أو الملاحة أو الأسواق، فإن الفارق بين تدمير القدرة وإخضاع الخصم يصبح أكثر وضوحًا.

الكلفة لا تبقى خارج السياسة الأميركية. حين ترتفع أسعار الوقود والنقل والغذاء، تصبح الحرب الخارجية جزءًا من الحساب الداخلي. المواطن الذي لم يشارك في قرار التصعيد يجد نفسه يدفع ثمنه، والناخب الذي لا تعنيه تفاصيل هرمز سيعنيه بالتأكيد ما يحدث لميزانيته. تفقد الحرب عزلتها الجغرافية، ويصبح الداخل جزءًا من معادلة الردع، لأن أي إدارة تريد الاستمرار في التصعيد تحتاج إلى إقناع مجتمعها بأن الكلفة تستحق ما يُدفع من أجلها.

الاختبار الأصعب للهيمنة ليس هل تستطيع القوة الكبرى أن تضرب، وإنما هل تستطيع أن تضرب وتظل محتفظة بالقدرة على فرض النتائج التي تريدها. القوة تستطيع فرض لحظة، لكنها تحتاج إلى شيء أكبر بكثير كي تفرض ما بعدها. تحتاج إلى خصم قابل للإخضاع، وأسواق قابلة للامتصاص، وحلفاء قادرين على تحمل الكلفة، ومجتمع داخلي مستعد لدفعها. وكلما اختلت هذه الشروط، أصبح التفوق العسكري أقل قدرة على التحول إلى هيمنة سياسية.

لا ينبغي قراءة لارك وهرمز باعتبارهما فصلًا آخر في حرب أميركية إيرانية فقط. ما يجري يكشف صراعًا أوسع على من يملك حق تحديد قواعد الحركة في عالم تتعدد فيه مراكز القوة. إيران لا تحتاج إلى أن تصبح أقوى من الولايات المتحدة حتى تؤثر في هذه المعادلة؛ يكفي أن تمنع واشنطن من جعل قوتها بلا كلفة، وأن تجعل بعض نتائج استخدامها للقوة تعود إليها من طرق لم تخترها.

تستطيع واشنطن أن تختار متى تضرب وأين تضرب، لكنها لا تختار وحدها ما يحدث بعد الضربة. لا تستطيع أن تأمر الجغرافيا بأن تتوقف عن أداء دورها، ولا الأسواق بأن تتجاهل الخطر، ولا الدول بأن تبقى إلى الأبد داخل ترتيبات يحددها مركز واحد، ولا المواطن الأميركي بأن يفصل سعر الوقود عن قرار الحرب. يظهر الفارق بين القوة والهيمنة في هذه المسافة: القوة تمنح القدرة على الوصول إلى الخصم، أما الهيمنة فتحتاج إلى القدرة على التحكم في العالم الذي يأتي بعد الوصول.

«ما بعد الضربة» قد يكون أهم من الضربة نفسها. إذا كانت كل محاولة لفرض الإرادة تفتح مساحة جديدة للمقاومة، وتعيد توزيع الكلفة، وتدفع أطرافًا أخرى إلى إعادة حساباتها، فإن التفوق الأميركي لا يختفي، لكنه يفقد شيئًا من قدرته على إنتاج النظام الذي يريده. عندما تنطلق الضربة من واشنطن، ثم يعود جزء من ثمنها إليها عبر هرمز والنفط والأسواق والسياسة، فإن ما يدخل الاختبار لم يعد قرارًا عسكريًا واحدًا، بل الفكرة التي حكمت النظام الدولي لعقود: أن من يملك القوة الأكبر يستطيع أن يحدد وحده ما يفعله الآخرون، وما يدفعونه، وما يأتي بعد ذلك.

زر الذهاب إلى الأعلى