لغز الانسحاب من “علي الطاهر”: هل فضّل حزب الله تسليم التلة لجيش الاحتلال على جيش لبنان؟

كتب: هانى الكنيسى
في غضون أسابيع قليلة، تحولت تلة صغيرة لا تتجاوز أهميتها الجغرافية حدود جنوب لبنان إلى أحد أكثر الفصول غموضًا في الحرب “شبه المتصلة” بين إسرائيل وحزب الله منذ ثلاثة أعوام.
لماذا رفض الحزب تسليم مرتفعات علي الطاهر إلى الجيش اللبناني، ثم انتهى الأمر بإعلان إسرائيل السيطرة عليها؟
السؤال ليس عسكريًا بحتًا، لأن خلف التلة وتحتها معادلة أكبر وأعمق: سلاح حزب الله، انتشار الجيش اللبناني، شروط التفاوض بين بيروت وتل أبيب، الدور الإيراني في الجنوب، وحدود المنطقة الأمنية التي تريدها إسرائيل على أرض لبنان.
الروايات المتداولة لا تتفق -حتى الآن- على ما حدث بالضبط، لكن بالإمكان تتبّع سير الأحداث لاستنباط الصورة الأقرب للواقع.
في منتصف أغسطس، تسربت إلى الإعلام اللبناني معلومات عن “مقترح” يقضي بإخلاء حزب الله مرتفعات علي الطاهر وانتشار الجيش اللبناني فيها، بما يسحب من إسرائيل ذريعة مهاجمة الموقع. وذكرت تقارير لبنانية أن رئيس الجمهورية ‘جوزيف عون’ طرح الصيغة ذاتها قبل نحو شهر، لكن حزب الله لم يقبل.
وفي 18 أغسطس، خرج النائب حسن عز الدين عضو كتلة “الوفاء للمقاومة”، ليعلن بوضوح أن “موقع علي الطاهر هو من المواقع الأساسية للمقاومة التي لن تتخلى عنها”، بل وذهب إلى القول إنه “في حال أتت المساعدة من إيران، فذلك سيكون نورا على نور”.
وفي رواية أخرى نُقلت عن مسؤول في حزب الله: “ليس من الوارد تسليم تلة علي الطاهر لا للجيش اللبناني ولا للعدو ولا لأي جهة”، لأن تسليمها قد يفتح شهية إسرائيل للاستيلاء على مواقع أخرى. ووفق الرواية نفسها، قال المسؤول إنه في النهاية يمكن للعدو أن يأخذ التلة، “ولكن بمعركة، لأن ثقافة التسليم والاستسلام ليست في ثقافة المقاومة”.
في المقابل، ظهرت رواية مختلفة تمامًا في 20 أغسطس؛ مصدر دبلوماسي غربي قال لقناة LBCI إن “حزب الله عرض بالفعل تسليم منطقة علي الطاهر إلى الجيش اللبناني”، في ظل تراجع قدرته على الإمساك بالموقع وسعيه إلى استعادة عناصره ومعداته الموجودة فيه، وإن “إسرائيل هي التي رفضت العرض”.
ثم دخل العامل الإيراني ليزيد المشهد تعقيدًا.
ففي 3 سبتمبر، كشفت ‘رويترز’ أن إيران وجهت -عبر سلطنة عُمان- تحذيرًا إلى واشنطن مفاده أن “أي هجوم إسرائيلي واسع على علي الطاهر سيقابَل برد إيراني كبير”. ونقلت الوكالة عن ثلاثة مسؤولين أن “أكثر من عشرة عناصر من الحرس الثوري الإيراني، بينهم ضابطان كبيران على الأقل، متحصنون مع مقاتلي حزب الله داخل الموقع المحاصر”.
لكن جيش الاحتلال نفى وجود أي عناصر للحرس الثوري داخل منشآت أو أنفاق التلة. وقال مصدر عسكري إسرائيلي إن “الأنفاق التي بنتها إيران، لا يوجد فيها أي مستشارين أو عناصر من الحرس الثوري منذ بدء العمليات الإسرائيلية في المنطقة”.
تلة “علي الطاهر” تقع على ارتفاع يقارب 600 متر شمال نهر الليطاني، وعلى بعد نحو 15 كيلومترًا من الحدود الإسرائيلية، وتطل على مساحات واسعة من جنوب شرق لبنان، مثل النبطية وإقليم التفاح. وكانت إسرائيل احتلتها خلال اجتياحها للجنوب الذي انتهى عام 2000.
وبحسب مصادر أمنية لبنانية نقلت عنها ‘رويترز’، فقد أنشأ حزب الله داخل التلة مركز قيادة تحت الأرض ومستودعات أسلحة. كما تحدثت تقارير إسرائيلية عن “شبكة أنفاق ومواقع قيادة ومولدات وغرف معيشة ومرافق” تسمح للمقاتلين بالبقاء تحت الأرض لفترات طويلة.
في يونيو الماضي، أعلنت إسرائيل للمرة الأولى أنها سيطرت بالكامل على “علي الطاهر”، لكن حزب الله نفى ذلك وقال إن قواته لا تزال متمركزة في الموقع وجاهزة للتصدي لأي توغل.
وفي 3 سبتمبر، عاد الجيش الإسرائيلي ليعلن أنه حقق “سيطرة عملياتية” على المرتفعات، فوق الأرض وتحتها، بعد أسابيع من العمليات، ثم أعلن في اليوم التالي أنه نجح في تطهير مسارين كبيرين للأنفاق من مقاتلي حزب الله، وأن بعضهم قُتل فيما فر آخرون.
وهذه الرواية الإسرائيلية تنسف فكرة أن جيش الاحتلال دخل موقعًا “سُلّم إليه” من دون قتال.
لكن الصورة “على الأرض” ظلت أقل وضوحًا مما توحي به البيانات الإسرائيلية.
ففي 5 سبتمبر (أمس السبت)، زار مصور لوكالة ‘أسوشيتد برس’ AP منطقة “كفر رمان” القريبة، ولم يرَ وجودًا إسرائيليًا ظاهرًا على التلة. كما قال مسؤولون وخبراء عسكريون لبنانيون إنهم لا يستطيعون تأكيد حجم السيطرة الإسرائيلية بصورة مستقلة.
لكن اليوم (الأحد)، نقلت صحيفة “الشرق الأوسط” رواية جديدة ومثيرة. مفادها أن حزب الله “أخلى” مرتفعات علي الطاهر، بدلًا من تسليمها للجيش اللبناني، رغم نصائح بوضع الموقع في عهدة الوفد اللبناني المفاوض لتعزيز موقف بيروت في الجولة الثامنة من المفاوضات مع إسرائيل. بل إن مصدرًا معنيًا بالمفاوضات قال للصحيفة السعودية إنه “من الصعب تصديق أن الحزب اتخذ قرارًا كهذا منفردًا، خصوصًا أن قيادات إيرانية كانت قد هددت بالتدخل للدفاع عن التلة”.
وهنا لا يكون السؤال: لماذا سلّم حزب الله التلة لإسرائيل؟
بل يصبح: هل قرر حزب الله أن إخلاء الموقع أفضل من خوض معركة يعرف أنها قد تتحول إلى حرب أوسع، وهل جاء القرار بعد تفاهم مع طهران؟
هذه الفرضية لا تزال غير مثبتة، لكنها تكتسب وزنًا من تسلسل الأحداث الذي
يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات في ضوئه.
الأول: أن حزب الله قاتل بالفعل، ثم اضطر مقاتلوه إلى الانسحاب أو الخروج من الموقع تحت ضغط عسكري إسرائيلي، وأن “الإخلاء” ليس سوى وصف سياسي لهزيمة ميدانية جزئية.
الثاني: أن ترتيبات سياسية سرية سمحت للحزب بإخلاء الموقع قبل عملية إسرائيلية أوسع، ربما مقابل تفاهمات تتعلق بمستقبل الانتشار الإسرائيلي واللبناني في المنطقة.
والثالث، وهو الأكثر حساسية؛ أن يكون إخلاء الموقع جزءًا من تفاهم إقليمي أوسع مع إيران، سمح بإخراج المقاتلين الذين تريد طهران الحفاظ عليهم خصوصًا العناصر الإيرانية- مقابل تجنب معركة كان يمكن أن تتحول إلى مواجهة مباشرة بين إيران وإسرائيل.
الحقيقة الواضحة أن “علي الطاهر” كانت ورقة تفاوض “سياسية” قبل أن تكون ورقة عسكرية.
فالتقارير اللبنانية تحدثت عن ارتباط مصير التلة بالمفاوضات بين لبنان وإسرائيل وانتشار الجيش اللبناني، وخروج حزب الله من الموقع.
ولهذا فإن رفض حزب الله تسليم “علي الطاهر” للجيش اللبناني -إن كان قد حدث بالفعل- يمكن قراءته من زاوية “سياسية” بحتة، باعتبار أن الحزب فضّل خسارة الموقع عسكريًا لإسرائيل على أن يضع جزءا من بنيته العسكرية تحت تصرف حكومة بيروت فيمنحها موقفًا تفاوضيًا أقوى (في الصراع الداخلي). وهنا لا يمكن إغفال التساؤل عمن كان بالضبط “صاحب القرار” وفي أي سياق أو “صفقة”.
المفارقة، أن إسرائيل نفسها لا تبدو راغبة في الاكتفاء بوجود الجيش اللبناني. إذ سوّق وزير الدفاع ‘يسرائيل كاتس’ ورئيس الوزراء النتنياهو معركة السيطرة على “علي الطاهر” بوصفها جزءًا من مفهوم أوسع لـ”المنطقة الأمنية”، التي تتعدل مساحتها وحدودها بين يوم وآخر، مثلما تتلوّن من “”الأصفر إلى “الرمادي” حسب أحدث بيان. وربما تنتقل إلى “الأحمر” مستقبلا.
