فؤاد مرسي: كيف استطاعت الرأسمالية أن تجدد نفسها؟ – الجزء الثاني

بقلم: سمير سليم
ماذا أضاف مرسي إلى الفكر الماركسي العربي؟
لم تكن إضافته أنه قدم نظرية ماركسية جديدة بالمعنى الصارملكن إضافته المهمة كانت في تغيير زاوية النظر إلى الرأسمالية بدل انتظار انهيارها، حاول فهم قدرتها على التجدد وبدل التعامل معها باعتبارها نظامًا ثابتًا، درس تحولات بنيتها.وبدل اختزال القوة الاقتصادية في المصانع والموارد، ركز على العلم والتكنولوجيا والبحث والتطوير.وبدل النظر إلى الاقتصاد داخل حدود الدولة، درس حركة الشركات ورأس المال والإنتاج على المستوى العالمي.
وهكذا أصبحت الرأسمالية عنده نظامًا يتحرك ويتغير ويعيد تنظيم نفسه باستمرار.
ماذا عن الاشتراكية؟
إذا كانت الرأسمالية قادرة على تغيير نفسها، فإن الاشتراكية لا يمكن أن تتعامل مع نفسها باعتبارها نظامًا مكتملًا.
وهنا تكمن إحدى أهم الرسائل التي يمكن استخلاصها من تجربة مرسي.
فالاشتراكية التي لا تستطيع أن تتطور مع تغير العلم والتكنولوجيا وطبيعة العمل والاقتصاد العالمي ستصبح عاجزة عن منافسة نظام أكثر قدرة على التكيف.
ولهذا فإن الدفاع عن الاشتراكية لا يمكن أن يكون مجرد الدفاع عن تجربة تاريخية محددة.
بل يجب أن يكون بحثًا دائمًا عن:كيف يمكن تنظيم الاقتصاد بصورة أكثر عدالة؟
كيف يمكن الجمع بين التخطيط والكفاءة؟
كيف يمكن أن تصبح التكنولوجيا قوة اجتماعية وليست مجرد وسيلة لتعظيم الربح؟
وكيف يمكن بناء نظام قادر على التطور بدل أن يتحول إلى نموذج جامد؟
هذه الأسئلة لم يعد ممكنًا تجاهلها بعد انهيار التجارب الاشتراكية في أوروبا الشرقية والاتحاد السوفيتي.
فؤاد مرسي وانهيار الاتحاد السوفيتي
المفارقة التاريخية أن فؤاد مرسي لم يعش طويلًا بعد صدور كتابه.
صدر الكتاب في مارس 1990، وتوفي مرسي في سبتمبر من العام نفسه، قبل انهيار الاتحاد السوفيتي رسميًا في ديسمبر 1991.
وهذا يجعل قراءة الكتاب اليوم أكثر إثارة.
فهو لم يكتب بعد انهيار الاتحاد السوفيتي ليبحث عن تفسير لما حدث.
بل كتب وهو يرى أن النظام الرأسمالي يعيد تنظيم نفسه أمام أزمة النموذج الاشتراكي.
وكان السؤال الذي طرحه أكثر عمقًا من مجرد مقارنة بين نظامين:
لماذا يستطيع نظام أن يتغير بينما يعجز النظام الآخر عن التكيف بالسرعة نفسها؟
وهذا سؤال لا يزال مفتوحًا هل كانت الرأسمالية قد وصلت إلى نهاية التاريخ؟
بعد انهيار الاتحاد السوفيتي ظهرت أطروحات اعتبرت أن انتصار الرأسمالية والديمقراطية الليبرالية يعني الوصول إلى نهاية التطور التاريخي.
لكن فؤاد مرسي لم يكن بحاجة إلى هذه النتيجة فقدرته على تفسير تجدد الرأسمالية لا تعني أنها انتصرت إلى الأبد.
الرأسمالية قد تكون أكثر قدرة على البقاء من توقع خصومها، لكن ذلك لا يعني أنها أصبحت خارج التاريخ.
فهي ما زالت تنتج أزماتوما زالت تعيد تشكيل الطبقات الاجتماعيةوما زالت تغير خريطة الإنتاج العالمي.وما زالت تواجه أزمات مالية وبيئية واجتماعية وسياسية.
ومن هنا يمكن أن نفهم الفرق بين القدرة على التجدد والقدرة على حل التناقضات نهائيًا الأولى أثبتتها الرأسماليةأما الثانية فلم يثبتها التاريخ.ج
فؤاد مرسي اليوم
لو كان فؤاد مرسي حيًا اليوم، لوجد عالمًا مختلفًا تمامًا عن العالم الذي كتب فيه كتابه الثورة الرقمية غيرت طبيعة العملالاقتصاد العالمي أصبح أكثر ترابطًا الشركات التكنولوجية أصبحت قوة اقتصادية هائلة.
الذكاء الاصطناعي بدأ يعيد تشكيل الإنتاج والخدمات والصين أصبحت قوة صناعية وتكنولوجية كبرى.
كما تغيرت الخريطة الاقتصادية العالمية بصورة كبيرة لكن المفارقة أن السؤال الذي طرحه مرسي لا يزال حاضرًا:كيف تستطيع الرأسمالية أن تتغير لكي تحافظ على نفسها؟
وهنا تكمن قوة الكتاب فهو لم يقدم تنبؤًا قصير الأجل بل قدم طريقة للنظر إلى الرأسمالية باعتبارها نظامًا قادرًا على التحول.
من فؤاد مرسي إلى أسئلة اليوم ربما تكون أهم قيمة في تجربة فؤاد مرسي أنه يحرر الفكر اليساري من وهم أن الرأسمالية ستنهار بمجرد أن نثبت وجود تناقضاتهافوجود التناقض لا يعني تلقائيًا سقوط النظام.
التاريخ أكثر تعقيدًا.
النظام قد يدخل أزمة ثم يعيد تنظيم نفسهوقد يخسر جزءًا من مراكزه ثم يبني مراكز جديدة.وقد يغير أدوات الإنتاج.وقد يستوعب التكنولوجيا.وقد يعيد توزيع الأدوار بين الدول.وقد يحول بعض التهديدات إلى مصادر جديدة للربح وهذا بالضبط ما حاول مرسي أن يدرسه.
فؤاد مرسي لم يكن مفكرًا يعتقد أن الرأسمالية ستختفي غدًا ولم يكن أيضًا مفكرًا استسلم لانتصارها كان يحاول أن يفهمها وهذه ربما أهم قيمة في مشروعه الفكري.
ففي كتاب «الرأسمالية تجدد نفسها» واجه حقيقة تاريخية لم يكن من السهل على كثير من اليساريين مواجهتها: الرأسمالية أثبتت قدرة كبيرة على التكيف وإعادة تنظيم قواها الإنتاجية وعلاقاتها الاقتصادية.
لكن هذا لا يعني أنها أصبحت نهاية التاريخبل يعني أن أي مشروع لتجاوزها يحتاج إلى أن يفهمها بصورة أعمق.
ومن هنا تصبح قراءة فؤاد مرسي اليوم ضرورية ليس لكي نقول إن الرأسمالية انتصرت، ولا لكي نكرر أنها ستنهار، وإنما لكي نطرح السؤال الأكثر جدية:
إذا كانت الرأسمالية قادرة على تجديد نفسها باستمرار، فهل يستطيع الفكر الاشتراكي أن يجدد نفسه بالقدر نفسه؟
وهنا ربما تكمن المسألة التي تركها فؤاد مرسي مفتوحة أمام الأجيال التالية.
فالمستقبل لن يحسمه من يملك أكثر الشعارات حدة، وإنما من يستطيع أن يفهم كيف يتغير العالم، وكيف تتغير الرأسمالية، وكيف يمكن بناء بديل قادر هو الآخر على التطور والتجدد.
وهذا هو السبب الذي يجعل فؤاد مرسي، بعد أكثر من ثلاثين عامًا على رحيله، حاضرًا في النقاش حول مستقبل الرأسمالية والاشتراكية حتى اليوم.
