حين تحاول الثقافة أن تفتح أبواب الحوار في عالم مغلق

كتب – سمير سليم
في سانت بطرسبورغ، المدينة التي تبدو وكأنها بنيت أصلًا لتكون جسرًا بين الثقافات، انعقدت الدورة الثانية عشرة للمنتدى الدولي للثقافات المتحدة، في الفترة من 24 إلى 26 سبتمبر، تحت عنوان يبدو بسيطًا في كلماته، لكنه شديد التعقيد في عالم اليوم: «الثقافات المتحدة – القيم المشتركة».
فالحديث عن الثقافة لم يعد ترفًا يمكن فصله عن السياسة والاقتصاد والتحولات الكبرى التي يعيشها العالم. وفي لحظة تتسع فيها الصراعات الدولية، وتتراجع فيها مساحات الحوار بين الدول، تصبح الثقافة واحدة من المجالات القليلة التي يمكن أن تستمر فيها العلاقات الإنسانية حتى عندما تتعطل العلاقات السياسية.
ومنذ انطلاق المنتدى عام 2012، تحول إلى مساحة دولية تجمع مسؤولين وشخصيات ثقافية وفنية وخبراء وممثلين عن المؤسسات الدولية وقطاع الأعمال والإعلام. وفي دورة هذا العام يشارك ممثلون من أكثر من خمسين دولة، وهو ما يعكس اتساع المجال الذي أصبح المنتدى يتحرك داخله.
الثقافة ليست مجرد فن
اللافت في منتدى هذا العام أن الثقافة لم تُطرح باعتبارها مجرد مسارح ومتاحف وموسيقى وفنون، وإنما باعتبارها جزءًا من سؤال أكبر يتعلق بمستقبل المجتمعات نفسها.
فالبرنامج يتناول قضايا مثل البيئة الثقافية المعاصرة، والتراث التاريخي، والعلاقة بين الثقافة والاقتصاد، وتأثير التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي على الفنون وحماية التراث، إلى جانب قضايا السيادة الثقافية والتنوع الثقافي.
وهنا تظهر أهمية المنتدى.
فالعالم يتغير بسرعة أكبر من قدرة المؤسسات التقليدية على التعامل معه. التكنولوجيا تعيد تشكيل طريقة إنتاج المعرفة والفن وتلقيهما، والذكاء الاصطناعي يفتح أسئلة جديدة حول الإبداع وحقوق الملكية وهوية العمل الفني، بينما تواجه الثقافات المحلية خطر الذوبان داخل فضاء عالمي شديد التشابه.
لذلك فإن الدفاع عن التنوع الثقافي لم يعد مجرد دفاع عن الماضي، بل أصبح أيضًا دفاعًا عن حق المجتمعات في أن تدخل المستقبل وهي محتفظة بخصوصيتها.
من «صراع الثقافات» إلى الحوار بينها
ربما تكون أهم فكرة في عنوان المنتدى هي كلمة «متحدة».
فالاختلاف بين الثقافات حقيقة تاريخية، لكن الاختلاف لا يعني بالضرورة الصراع.
المشكلة تبدأ عندما تتحول ثقافة ما إلى معيار وحيد للحكم على بقية الثقافات، أو عندما يصبح التفوق الاقتصادي والسياسي وسيلة لفرض نموذج ثقافي باعتباره النموذج الوحيد القادر على تمثيل الحداثة.
وفي المقابل، فإن الحفاظ على الهوية الثقافية لا يعني الانغلاق أو رفض التفاعل مع الآخرين.
المعادلة الأصعب هي أن تحافظ الشعوب على خصوصيتها، وفي الوقت نفسه تكون قادرة على التعلم والتبادل والتأثير المتبادل.
وهذا تحديدًا أحد الأسئلة التي يحاول المنتدى وضعها على طاولة النقاش.
سانت بطرسبورغ.. المكان جزء من الرسالة
اختيار سانت بطرسبورغ لاستضافة المنتدى ليس تفصيلًا عابرًا.
فالمدينة نفسها نتاج تفاعل طويل بين روسيا وأوروبا، وبين الفن الروسي والمدارس الفنية العالمية، وبين العمارة والموسيقى والأدب والمسرح. ولذلك تبدو المدينة، بتاريخها وتنوعها، مكانًا طبيعيًا لمناقشة فكرة العلاقة بين الثقافات.
وخلال أيام المنتدى لا تقتصر الفعاليات على جلسات النقاش الرسمية، بل تمتد إلى المتاحف والمسارح والمعارض والحفلات والمهرجانات الثقافية في أنحاء المدينة.
ومن بين الفعاليات معرض مخصص لأعمال رامبرانت، وبرامج في قلعة بطرس وبولس، وفعاليات للفنون الشعبية، وعروض في مسارح المدينة، وبرامج موسيقية وفنية متعددة.
أي أن الثقافة هنا لا تُناقش داخل قاعة مغلقة فقط، بل تتحول المدينة نفسها إلى جزء من المنتدى.
الثقافة في زمن العقوبات والصراعات
وربما هنا تكمن إحدى أهم دلالات المنتدى بالنسبة للعالم المعاصر.
روسيا تعيش منذ سنوات في مواجهة سياسية واقتصادية مع دول غربية، والعلاقات الدولية تمر بمرحلة من الاستقطاب الحاد. ومع ذلك، تستمر موسكو في استخدام الثقافة باعتبارها إحدى أدوات التواصل الدولي.
وفي كلمته أمام المنتدى، أكد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن الثقافة تستطيع أن تكون وسيلة للجسور والحوار بين الشعوب حتى عندما تتجمد العلاقات السياسية والاقتصادية. كما تحدث عن ضرورة الحفاظ على التنوع الثقافي وعدم التعامل مع ثقافة معينة باعتبارها قابلة للإلغاء.
وبعيدًا عن الموقف السياسي من روسيا أو من سياساتها الخارجية، فإن الفكرة نفسها تستحق النقاش:
هل تستطيع الثقافة أن تفعل ما تعجز عنه السياسة أحيانًا؟
التاريخ يقدم أمثلة كثيرة على أن العلاقات الثقافية والفنية والعلمية يمكن أن تستمر في ظروف شديدة الصعوبة، بل ويمكن أحيانًا أن تصبح جسرًا يمهد لعودة الحوار السياسي.
التكنولوجيا تدخل قلب الثقافة
من الملفات المهمة في المنتدى أيضًا العلاقة بين الثقافة والتكنولوجيا.
لم تعد التكنولوجيا مجرد أداة تساعد الفنان أو المؤسسة الثقافية، بل أصبحت تغير طبيعة المنتج الثقافي نفسه.
الذكاء الاصطناعي يستطيع إنتاج الصور والموسيقى والنصوص، والأرشفة الرقمية تتيح الوصول إلى كنوز ثقافية كانت محصورة داخل المؤسسات، والمنصات الرقمية تستطيع نقل عرض مسرحي أو معرض فني إلى جمهور موجود على الجانب الآخر من العالم.
لكن التكنولوجيا تطرح في الوقت نفسه أسئلة صعبة:
من يملك العمل الذي أنتجته الخوارزميات؟
كيف نحمي التراث من التزييف الرقمي؟
كيف نحافظ على التنوع الثقافي في عالم تتحكم فيه منصات عالمية ضخمة؟
وكيف يمكن استخدام التكنولوجيا لجعل الثقافة أكثر انتشارًا دون أن تتحول إلى سلعة تفقد مضمونها الإنساني؟
هذه الأسئلة تجعل العلاقة بين الثقافة والتكنولوجيا واحدة من أهم ساحات الصراع الفكري في السنوات المقبلة.
ماذا يعني ذلك للعالم العربي؟
بالنسبة للعالم العربي، فإن النقاش الذي يدور في سانت بطرسبورغ ليس بعيدًا عن قضايانا.
العالم العربي يمتلك تراثًا ثقافيًا هائلًا، لكنه يواجه في الوقت نفسه تحديات تتعلق بحماية التراث، وتطوير الصناعا
