أخبارإبداعات عربيةالشرق قادمعاجلمقالات

أحمد بهاء الدين شعبان: من سؤال اليسار إلى سؤال المستقبل

بقلم: سمير سليم

لا تقاس أهمية تجربة سياسية بعدد المناصب التي شغلها صاحبها، ولا بعدد المعارك التي خاضها وحدها، وإنما بما تتركه من أسئلة مفتوحة أمام الحركة التي انتمى إليها، وبما تكشفه من إمكانات وحدود في اللحظة التاريخية التي تشكلت فيها.

ومن هذا المنظور يمكن قراءة تجربة أحمد بهاء الدين شعبان، أحد الوجوه المعروفة في الحركة اليسارية المصرية، والناشط الذي ارتبط اسمه بالحركة الطلابية، ثم بحركة «كفاية»، والجمعية الوطنية للتغيير، والحزب الاشتراكي المصري، الذي كان أحد مؤسسيه وتولى منصب أمينه العام.

لكن تناول هذه التجربة لا ينبغي أن يتحول إلى سيرة احتفائية، كما لا يصح اختزالها في حكم نهائي على مواقفه. فالسؤال الأهم ليس: هل كانت كل مواقفه محل اتفاق؟ وإنما: ماذا تكشف تجربته عن أزمة اليسار المصري، وعن العلاقة بين الحركة الجماهيرية والتنظيم السياسي، وبين الاستقلال الفكري والقدرة على التأثير، وبين لحظة الاحتجاج ومهمة بناء بديل اجتماعي وسياسي قادر على الاستمرار؟

وهذا هو المدخل الذي يجعل من تجربة شعبان جزءا من سؤال أكبر: كيف يمكن لليسار أن يجدد نفسه دون أن يفقد هويته، وأن يخرج من أسر الماضي دون أن يقطع صلته بتراثه؟

أولا: من الحركة الطلابية إلى السياسة العامة

تكون أحمد بهاء الدين شعبان سياسيا في سياق شهد صعود الحركة الطلابية المصرية في سبعينيات القرن الماضي، وما ارتبط بها من اعتراضات على الأوضاع السياسية والاجتماعية، وعلى مسار الانفتاح الاقتصادي، وعلى طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع.

درس الهندسة الميكانيكية في جامعة القاهرة، وشارك في نشاط الحركة الطلابية، ثم ارتبط اسمه بمحطات من الاحتجاج السياسي والاجتماعي، من بينها أحداث 18 و19 يناير 1977. وهذه الخلفية مهمة لفهم طبيعة مساره؛ فهو لم يبدأ من موقع أكاديمي منفصل عن الحركة السياسية، وإنما من تجربة نضالية تشكلت في الجامعة والشارع، حيث كانت قضايا الحرية والعدالة الاجتماعية جزءا من معركة أوسع حول اتجاه المجتمع والدولة.

ومع ذلك، فإن الانطلاق من الحركة لا يعني أن الحركة وحدها تكفي لصناعة مشروع سياسي. فالاحتجاج يستطيع أن يفتح المجال العام، وأن يكسر الصمت والخوف، وأن يطرح مطالب جديدة، لكنه لا يتحول تلقائيا إلى قوة منظمة قادرة على تغيير موازين القوى.

وهذه المسافة بين التعبئة والتنظيم ستظل واحدة من أهم القضايا التي تطرحها تجربة شعبان، كما تطرحها تجارب أجيال مختلفة من اليسار المصري.

ثانيا: كفاية وكسر حاجز الخوف

ارتبط أحمد بهاء الدين شعبان بتأسيس حركة «كفاية»، التي ظهرت في سياق تصاعد الاعتراض على استمرار حكم حسني مبارك، ورفعت شعار «لا للتمديد، لا للتوريث». وقد مثلت الحركة مساحة التقاء لقوى سياسية وفكرية متنوعة، وأسهمت في إعادة الاحتجاج السياسي إلى المجال العام بعد سنوات من التضييق والجمود.

وتكمن أهمية «كفاية» في أنها لم تكن مجرد إطار حزبي تقليدي، بل محاولة لتجميع أطراف متعددة حول مطالب سياسية مشتركة، مع الاستفادة من أشكال جديدة من التعبئة والاحتجاج.

وقد تحدث شعبان عن دور الحركة في كسر حاجز الخوف، كما وصفها بأنها لعبت دورا مهما في المناخ السياسي الذي سبق سقوط مبارك. كما كتب بنفسه عن تجربة «كفاية» ومسارها وما رآه من وعود ومخاطر صاحبتها.

لكن الاعتراف بأهمية هذه التجربة لا يلغي ضرورة فحص حدودها. فالحركة التي تنجح في جمع قوى متباينة حول مطلب مشترك قد تواجه صعوبة أكبر عندما تنتقل من الاحتجاج إلى بناء مشروع سياسي واجتماعي متكامل.

فالاختلاف حول طبيعة الدولة والاقتصاد والتحالفات وأولويات المرحلة قد يكون أقل ظهورا في لحظة مواجهة مطلب سياسي محدد، لكنه يصبح أكثر حدة عندما يطرح سؤال البديل.

ولا يمكن تفسير تعثر أي حركة احتجاجية بعامل واحد، أو تحميل قياداتها وحدها مسؤولية ما لم يتحقق. فالسياق السياسي، وطبيعة النظام، وقيود المجال العام، وتفاوت القدرات التنظيمية بين القوى المشاركة، كلها عوامل تؤثر في إمكان الانتقال من التعبئة إلى الاستمرار المؤسسي.

ومع ذلك يبقى السؤال قائما:

كيف يمكن لحركة احتجاجية أن تحافظ على قدرتها على المبادرة، وفي الوقت نفسه تطور آليات ديمقراطية لاتخاذ القرار، وتسوية الخلافات، وتجديد القيادة، وبناء قواعد اجتماعية مستقرة؟

هذا سؤال لا يخص «كفاية» وحدها، بل يمثل تحديا عاما أمام الحركات التي تنشأ خارج الأطر الحزبية التقليدية.

ثالثا: من الشارع إلى محاولة بناء إطار سياسي

لم يتوقف مسار شعبان عند «كفاية». فقد ارتبط بالجمعية الوطنية للتغيير، التي سعت إلى جمع قوى وشخصيات مختلفة حول مطالب تتعلق بالتغيير السياسي، كما كان من مؤسسي الحزب الاشتراكي المصري، وتولى منصب الأمين العام للحزب.

وتكشف هذه المحطات عن إدراك لأهمية الانتقال من الاحتجاج إلى العمل السياسي المنظم.

فالحركة الجماهيرية تستطيع أن تفتح ثغرات في جدار الجمود، لكنها تحتاج إلى أدوات تضمن استمرار الفعل السياسي بعد انحسار موجة التعبئة.

ومن هنا تبدو محاولة بناء حزب أو إطار سياسي امتدادا طبيعيا لتجربة النشاط الاحتجاجي، لا نقيضا لها.

غير أن تأسيس حزب لا يعني بالضرورة بناء قوة جماهيرية مؤثرة. فالمسألة لا تتعلق بوجود اسم أو قيادة أو برنامج مكتوب فحسب، بل بقدرة التنظيم على التجذر في مواقع العمل والسكن والدراسة، وعلى تكوين كوادر جديدة، وعلى صياغة مطالب ملموسة ترتبط بحياة الناس اليومية، وعلى إدارة الخلافات الداخلية بصورة ديمقراطية.

ومن ثم، فإن دراسة تجربة الحزب الاشتراكي المصري وغيره من أطر اليسار لا ينبغي أن تقوم على وجودها الشكلي، ولا على نوايا مؤسسيها، وإنما على دراسة بنيتها التنظيمية، وعلاقتها بالقوى الاجتماعية، وطبيعة تحالفاتها، ومدى قدرتها على تحويل الأفكار إلى ممارسة سياسية مستمرة.

وهنا يمكن صياغة أحد الأسئلة المركزية التي تثيرها تجربة شعبان:

هل استطاعت محاولات الانتقال من الحركة إلى الحزب أن تنتج قوة يسارية جماهيرية مستدامة بالحجم الذي تطلع إليه مؤسسوها وأنصارها؟

إن الإجابة لا تكون بإلقاء حكم نهائي على تجربة فردية، بل بفحص ما تحقق وما تعثر، والظروف التي أحاطت بكل منهما.

رابعا: هل كان شعبان ناشطا سياسيا أكثر منه مفكرا؟

قد يبدو أحمد بهاء الدين شعبان، عند النظر إلى حضوره العام، أقرب إلى الناشط السياسي والمنظم منه إلى المفكر الذي يقدم نسقا نظريا متكاملا.

لكن هذا الانطباع يحتاج إلى قدر من التدقيق؛ فنتاجه المنشور لا يقتصر على المواقف السياسية أو الكتابات الصحفية، بل يتناول الحركة الطلابية، والصهيونية، وحركات الاحتجاج، والثورة المصرية، والصراع الطبقي، وثقافة المقاومة.

ومن بين أعماله: «الحركة الطلابية الحديثة في مصر: تجربة ربع قرن»، و«حاخامات وجنرالات: الدين والدولة في إسرائيل»، و«رفرفة الفراشة: كفاية، الماضي والمستقبل»، و«الحركات الاحتجاجية الجديدة من بورتو أليجري إلى ربيع العرب»، و«صراع الطبقات في مصر المعاصرة»، و«من ثقافة المقاطعة إلى ثقافة المقاومة».

وهذه الأعمال تشير إلى اهتمام يتجاوز متابعة الحدث السياسي المباشر، إلى محاولة فهم الحركة الاجتماعية، وأشكال التعبئة، والعلاقة بين الصراع الطبقي والمقاومة، فضلا عن قضايا الصهيونية والدولة.

ومع ذلك، يمكن التمييز بين الكتابة التي توثق التجربة، والتحليل الذي يفسر شروطها وحدودها، وبناء الإطار النظري الذي يربط الوقائع المتفرقة بمفاهيم وتصورات أوسع.

ولا يكفي تعداد الكتب وحده للحكم على موقع صاحبها في هذه المستويات؛ فذلك يتطلب قراءة الأعمال نفسها، ومقارنة مفاهيمها واستنتاجاتها، وفحص مدى تطورها عبر الزمن.

لذلك ربما يكون الأدق أن نقول إن شعبان ينتمي إلى تقليد من المثقفين المنخرطين في الحركة السياسية، حيث تتداخل الكتابة مع التنظيم والممارسة.

وهذا التقليد له أهميته، لكنه يطرح بدوره سؤالا: كيف يمكن تحويل الخبرة النضالية المتراكمة إلى معرفة قابلة للنقد والتطوير، بحيث لا تبقى الاستنتاجات مرتبطة بظروف لحظتها الأولى؟

خامسا: 25 يناير و30 يونيو… خلاف حول معنى الثورة ومسارها

شكلت ثورة 25 يناير 2011 منعطفا حاسما في تاريخ مصر الحديث، وفتحت المجال أمام قوى سياسية واجتماعية كانت تعاني من التهميش أو التضييق.

لكنها طرحت أيضا أسئلة شديدة التعقيد حول طبيعة الدولة، وموازين القوى، وموقع الجيش، وحدود التغيير، والعلاقة بين المطالب الديمقراطية والاجتماعية.

وفي هذا السياق، اعتبر شعبان أن 30 يونيو 2013 كانت استمرارًا للثورة، وربط موقفه برفض مشروع جماعة الإخوان المسلمين وبمطالب اجتماعية وسياسية، من بينها الفقر والتعليم والعدالة الاجتماعية والعدالة الانتقالية.

ومن المهم عرض موقفه كما عبر عنه، بدل اختزاله في تفسير واحد لا يراعي حججه المعلنة. لكن عرض الموقف لا يمنع من إخضاعه للنقد السياسي والتاريخي.

فالسؤال الذي واجه قوى اليسار في تلك المرحلة لم يكن متعلقا فقط بتحديد موقفها من جماعة الإخوان، وإنما أيضا بكيفية الحفاظ على استقلالها السياسي والاجتماعي، وبكيفية التعامل مع مؤسسات الدولة وموازين القوة، وبمدى قدرتها على الدفاع عن التحول الديمقراطي والعدالة الاجتماعية في آن واحد.

إن قراءة المواقف من 30 يونيو وما تلاها تتطلب التمييز بين دوافع القوى المختلفة، وبين الشعارات التي رفعتها، وبين النتائج السياسية والمؤسسية التي ترتبت على الأحداث.

كما تتطلب عدم افتراض أن الاتفاق مع مطلب سياسي في لحظة معينة يعني الاتفاق مع كل ما أعقبه، أو أن الاختلاف حول مسار الأحداث يلغي وجود مخاوف ومطالب اجتماعية حقيقية لدى قطاعات من المجتمع.

وهنا تبرز معضلة اليسار:

كيف يشارك في حركة جماهيرية واسعة من دون أن يذوب في القوى الأكثر تنظيما أو نفوذا داخلها؟ وكيف يحافظ على استقلاله من دون أن يتحول استقلاله إلى عزلة عن المجتمع؟

إنها معضلة سياسية لا تحلها الشعارات وحدها، بل تحتاج إلى تنظيم قوي، ورؤية اجتماعية واضحة، وقدرة على بناء التحالفات من موقع مستقل.

سادسا: تشخيص أزمة اليسار… من الاعتراف بالأزمة إلى تفسيرها

في نقاشاته حول أزمة اليسار المصري، تناول شعبان أسبابا موضوعية وأخرى ذاتية، ودعا إلى مناقشة ما إذا كانت الأزمة تتصل بالنظرية أم بتطبيقاتها، وبمدى قدرة الفكر الاشتراكي على التكيف مع الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية المتغيرة.

وهذا النوع من الأسئلة ضروري لأي حركة تريد تجديد نفسها.

فلا يمكن تفسير ضعف اليسار بمجرد القول إن المجتمع ابتعد عن أفكاره، كما لا يمكن تفسيره كله بأخطاء القيادات أو ضعف التنظيم.

فالأزمة عادة ما تتشكل من تفاعل عوامل متعددة: التحولات في بنية الطبقة العاملة، واتساع العمل غير الرسمي، وتراجع بعض أشكال التنظيم التقليدي، وتغير طبيعة الدولة والاقتصاد، إلى جانب القيود المفروضة على النشاط السياسي، وأوجه القصور الفكرية والتنظيمية داخل أحزاب اليسار نفسها.

لكن التشخيص يظل بداية الطريق.

فالإقرار بوجود أزمة لا يعني تجاوزها، وتكرار الحديث عن غياب التنظيم لا يصنع تنظيما، كما أن الدعوة إلى الاقتراب من الجماهير لا تكفي ما لم تتحول إلى عمل ملموس في مواقع الإنتاج والخدمات والأحياء والجامعات.

والتجديد المطلوب لا يعني التخلي عن جوهر المشروع الاشتراكي أو استبدال مفرداته بشعارات أكثر رواجا، كما لا يعني الدفاع عن كل ما ورثته الحركة من تجاربها السابقة.

إنه عملية نقدية مزدوجة: مراجعة الأفكار في ضوء الواقع المتغير، ومراجعة الممارسة في ضوء الأهداف المعلنة.

ومن هنا تبرز ضرورة التمييز بين الماركسية بوصفها منهجا لتحليل المجتمع والصراع الطبقي، وبين تجارب الدول التي أعلنت تبنيها، وبين التنظيمات التي رفعت رايتها في ظروف تاريخية مختلفة.

فهذه المستويات مترابطة، لكنها ليست شيئا واحدا.

ولا يمكن تجديد اليسار من دون دراسة نقدية لتجارب الماضي، بما فيها إنجازاتها وتناقضاتها وإخفاقاتها، بدل الاكتفاء بالتبرير أو الرفض الشامل.

سابعا: ما الذي تضيفه تجربة شعبان إلى سؤال التجديد؟

تتيح تجربة أحمد بهاء الدين شعبان النظر إلى عدد من التحديات التي تواجه اليسار المصري.

أولها العلاقة بين الحركة والتنظيم.

فقد أثبتت تجارب الاحتجاج أن المجتمع قادر على المبادرة، وأن المجال العام قد يشهد لحظات تتجاوز فيها الحركة الجماهيرية الأطر السياسية القائمة.

لكن الحفاظ على أثر هذه اللحظات يحتاج إلى تنظيم ديمقراطي قادر على الاستمرار، لا إلى الاعتماد على موجات التعبئة وحدها.

وثانيها العلاقة بين الاستقلال والتحالف.

فاليسار لا يستطيع التأثير إذا انعزل عن القوى الاجتماعية والسياسية الأخرى، لكنه قد يفقد هويته وقدرته على تمثيل المصالح التي يدافع عنها إذا تحولت التحالفات إلى تبعية سياسية.

والاستقلال هنا ليس موقفا لفظيا، بل قدرة على صياغة برنامج خاص، وتحديد أهداف واضحة، وممارسة النقد حتى داخل التحالفات.

وثالثها العلاقة بين الديمقراطية والعدالة الاجتماعية.

فلا يكفي أن يختزل اليسار مشروعه في المطالب الاقتصادية، كما لا يكفي أن يتعامل مع الحريات السياسية باعتبارها مسألة منفصلة عن حياة الناس.

فحرية التنظيم والتعبير والمشاركة ترتبط بقدرة العمال والفئات الشعبية على الدفاع عن مصالحهم، كما أن العدالة الاجتماعية تحتاج إلى مؤسسات تسمح بالمحاسبة والمشاركة وتداول السلطة.

ورابعها مسألة اللغة السياسية.

فالأفكار لا تصبح قوة اجتماعية لمجرد صحتها النظرية في نظر أصحابها. إنها تحتاج إلى لغة قادرة على شرح المصالح والتناقضات، وربط القضايا الكبرى بتجارب الناس اليومية، من الأجور والأسعار والعمل والسكن إلى التعليم والصحة والحريات.

ولا يعني ذلك تبسيط القضايا إلى حد الإخلال بها، بل جعل المعرفة أداة للفهم والعمل، لا حاجزا بين الحركة والمجتمع.

وخامسها ضرورة تحويل الخبرة إلى معرفة نقدية.

فكل تجربة سياسية تحمل دروسا، لكن هذه الدروس لا تستخلص تلقائيا. إنها تحتاج إلى توثيق ومراجعة ومقارنة بين ما كان مخططا له وما تحقق، وبين التقديرات السابقة والنتائج الفعلية.

ومن دون هذه العملية قد تتحول الذاكرة السياسية إلى روايات متنافسة، لا إلى أساس لتطوير الممارسة.

ماذا يقول لنا هذا التراث ونحن نواجه رأسمالية القرن الحادي والعشرين؟

من أحمد بهاء الدين شعبان إلى السؤال الأكبر

عندما ننظر إلى مسيرة أحمد بهاء الدين شعبان ضمن المسار الذي قطعناه في هذه السلسلة، نكتشف أن كل تجربة من التجارب التي توقفنا أمامها أضافت قطعة إلى صورة أكبر.

سمير أمين أعاد النظر في علاقة المركز بالأطراف، وفي الكيفية التي تعمل بها الرأسمالية على المستوى العالمي.

ومحمود أمين العالم وضع الثقافة والفكر في قلب الصراع الاجتماعي، رافضا الفصل بين المثقف وقضايا مجتمعه.

وفؤاد مرسي حاول أن يقرأ الاقتصاد والمجتمع المصريين من الداخل، وأن يربط التحولات الاقتصادية بالبنية الاجتماعية والسياسية.

ومهدي عامل سعى إلى بناء قراءة ماركسية عربية للواقع العربي، مؤكدا أن استخدام الماركسية لا يعني استيراد إجابات جاهزة من خارج المجتمع.

وكريم مروة اشتبك مع أزمة اليسار العربي، وفتح باب المراجعة والنقد والتساؤل حول ما تراكم من أفكار وممارسات وتجارب.

أما إريك وولف، فقد وسع مجال النظر إلى الفلاحين والمجتمعات المحلية، وإلى الطريقة التي ارتبطت بها هذه المجتمعات بتحولات الرأسمالية العالمية.

ويأتي أحمد بهاء الدين شعبان ليعيدنا إلى مساحة أخرى لا تقل أهمية: السياسة والتنظيم والحركة الجماهيرية والديمقراطية والعمل اليساري في مصر.

وهنا تتجمع أمامنا أسئلة لا يمكن لأي اتجاه يساري جاد أن يتجاوزها.

فلا يكفي أن نفهم العالم.

ولا يكفي أن ننتقد الرأسمالية.

ولا يكفي أن نمتلك نظرية نعتقد بصحتها.

ولا يكفي حتى أن نمتلك الرغبة في التغيير.

يبقى السؤال الأصعب:

كيف نحول الأفكار إلى قوة اجتماعية قادرة على تغيير الواقع؟

وهذا السؤال ليس جديدا. فقد ظل يطارد اليسار المصري والعربي طوال أكثر من نصف قرن، وتغيرت صياغاته بتغير المجتمعات والاقتصاد والسياسة، لكنه لم يختف.

بل ربما أصبح أكثر إلحاحا في القرن الحادي والعشرين، بعد أن تغيرت الرأسمالية نفسها، وتغيرت معها بنية العمل والطبقات، وأشكال الاستغلال، ودور الدولة، وطبيعة الاقتصاد العالمي، ووسائل الاتصال والتنظيم والحشد.

ومن هنا، فإن تجديد اليسار لا يمكن أن يكون مجرد استعادة لما قاله ماركس، ولا مجرد الدفاع عن تراث اليسار السابق، ولا مجرد القطيعة معه.

التجديد يبدأ من القدرة على استخدام هذا التراث كله باعتباره مادة للنقد والتعلم وإعادة التفكير.

فالسؤال ليس فقط: ماذا قال ماركس؟

ولا حتى: ماذا قال مفكرو اليسار الذين جاؤوا بعده؟

السؤال الأكثر إزعاجا، وربما الأكثر أهمية:

ماذا يقول الواقع لنا الآن؟

وهنا بالضبط يبدأ السؤال عن المستقبل.

وربما يكون هذا هو السؤال الذي نتركه مفتوحا ونحن ننتقل إلى المفكر التالي.

لأن اليسار الذي لا يراجع نفسه محكوم عليه بأن يكرر أسئلته القديمة، بينما الواقع لا يتوقف عن طرح أسئلة جديدة.

زر الذهاب إلى الأعلى