أخبارعاجلملفات

خطاب النوايا  الأمريكي إلى مصر  وتحديد الأدوار

لا يمكن فهم الرسالة التي وجهها الرئيس الأمريكى دونالد ترامب إلى الرئيس المصرى عبد الفتاح السيسي بمعزل عن سياق سياسي أوسع يربط جميع الملفات الاستراتيجية بمصر، ولا يمكن التعامل معها بوصفها أزمة منفصلة أو قضية ثنائية مجردة. 

ووفقاً للباحث السياسى معتز منصوى فالموقف السياسي المتعلق بسد النهضة يتقاطع بشكل مباشر مع ملف غزة والقرن الإفريقي، ويعكس المكانة المركزية لمصر في معادلة الاستقرار الإقليمي التي تدار من واشنطن بمنطق ضبط الحركة أكثر من البحث عن حلول جذريّة أو تسويات عادلة. 

اللغة الهادئة التي اعتمدها الخطاب والمفردات الطمأنة تخفي في جوهرها إعادة تعريف الدور المصري وفرض حدود واضحة للتحرك، لا تقديم دعم أو تسهيلات، بل ضبط المسار السياسي والميداني بما يتوافق مع مصالح الإدارة الأمريكية.

فبحسب معتز جرى تفريغ قضية ملف السد عمدًا من مضمونها القانوني والحقوقي. فلا يوجد حديث عن حقوق مائية أو ضرر جسيم أو التزامات ملزمة فى رسالة ترامب، بل تم توصيف الأزمة على أنها “نزاع مفهوم”، خطوة سياسية تهدف إلى نقلها من خانة التهديد الوجودي إلى خانة الخلاف القابل للإدارة. 

هذا التحويل يتم سحب صفة الاستثناء واغلاق الباب أمام أي مسار حاسم، فيما يأتي التحذير الناعم من الصدام العسكري كترسيم لخط أحمر مسبق، لا كنصيحة، بحيث أي تحرك مصري حاسم سيُقرأ على أنه خروج عن الإجماع الدولي وليس دفاعًا عن حقوق سيادية. 

هذا الإطار يجعل أي خطوة مصرية في مجال المياه خاضعة لمنطق الضبط السياسي والوظيفي، لا للتفاوض على الحقوق كما بينه معتز.

تلك المقاربة نفسها تحكم الدور المصري في غزة حسبما وصف الواقع معتز، حيث المطلوب ليس الوساطة بوصفها دورًا محايدًا بل الضبط كوظيفة أساسية. 

مطلوب من مصر منع توسع المواجهة، ضبط سقف التصعيد، احتواء النتائج السياسية لما بعد الحرب بما لا يهدد الأمن الإسرائيلي، وإدارة الصراع ضمن مستويات يمكن السيطرة عليها. 

واشنطن لا تبحث عن تعديل المعادلات أو معالجة جذور الصراع، بل عن إدارة مستمرة للأزمات مع الحفاظ على قواعد اللعبة الدولية في صالح مصالحها. 

في هذا السياق يصبح الدور المصري ضروريًا لكنه مشروط بالانضباط وعدم تجاوز الحدود المرسومة، وأي خروج عن هذا الإطار قد يُكلف القاهرة سياسياً واستراتيجياً.

كما أن إدراج السعودية والإمارات في ملف المفاوضات حول سد النهضة وغزة يعكس أبعادًا استراتيجية دقيقة كما يذكر معتز

فهذا التوسيع لا يقتصر على الشكل البروتوكولي، بل يحوّل الملف من قضية ثنائية إلى ملف إقليمي متعدد الأطراف، ما يقلل من مركزية القرار المصري ويخفف الضغط عن إثيوبيا، لكنه يفتح أيضًا آفاق دعم اقتصادي وتمويلي لمصر ولإدارة ملف غزة، وفي الوقت نفسه يشكل أداة ضغط محتملة يمكن أن تُفرض من خلالها ترتيبات وصفقات خارج إرادة القاهرة. 

بهذا الشكل تتحول ملفات الحقوق والسيادة إلى ملفات إدارة مصالح وتوازنات، وهي خطوة تختبر قدرة مصر على حماية مصالحها والحفاظ على هامش تحركها الاستراتيجي دون الانزلاق إلى قيود مفروضة من الخارج.

 ويشير معتز أن الربط بين سد النهضة وغزة ليس افتراضًا ذهنيًا، بل سياسة مقصودة لإدارة ملفات الدولة المركزية بطريقة متشابكة. 

واشنطن تربط بين جميع الملفات الحساسة لكي لا تمتلك أي دولة مركزية هامش مناورة مستقلًا. أي تحرك مصري هادئ لإعادة بناء نفوذها في القرن الإفريقي كما حدث في الصومال يُقابل مباشرة بتذكير ضمني بسقوف الحركة في الملفات الأخرى. 

فتح ملف السد في هذا التوقيت لا يعكس أي تطور فني بل هو محاولة فرملة سياسية قبل اتساع هامش المبادرة المصرية، وإدراج الأطراف الإقليمية يعكس سعي واشنطن لتحويل القضية من صراع حقوق إلى ترتيب مصالح، ما يفرض على القاهرة إدارة دقيق للملفات دون استسلام لمنطق الضبط بالكامل.

ويؤكد معتز أن الخطر الأكبر في هذا السياق ليس في طلب واشنطن اليوم، بل في ما قد يصبح منهجًا مستقبليًا. قبول الربط الضمني بين غزة والسد وبين التهدئة والمياه يعني تحويل كل ملف سيادي إلى ورقة تفاوض وظيفية، وفي هذه الحالة لا نتحدث عن تنازل لحظة بل عن إعادة تموضع الدولة داخل النظام الإقليمي. 

فالخروج من هذا الفخ وفقاً لمعتز لا يكون بالصدام ولا بالقبول المباشر، بل بإدارة الغموض الاستراتيجي، وأداء الدور المطلوب دون تحويله إلى التزام مفتوح، مع إبقاء الملفات السيادية الأساسية غير مغلقة قانونيًا وسياسيًا وتوسيع شبكة التحرك الإقليمي بهدوء دون استفزاز، الأمر الذي يفرغ منطق الضبط من فعاليته دون كسره علنًا.

فمن سد النهضة إلى غزة الرسالة واحدة: تحركي لكن ضمن الدور المرسوم. التحدي الحقيقي أمام القاهرة لا يكمن في فهم ما تريده واشنطن، بل في القدرة على إدارة هذا الضغط المركب، وحماية مصالحها السيادية، دون دفع الثمن من حقوقها الاستراتيجية، وتحويل أي توازن إقليمي إلى ورقة مفاوضات محتملة. 

أي نجاح مصري في هذا المسار يتطلب مهارة فائقة في إدارة الغموض، القدرة على النفوذ الهادئ، واستراتيجية طويلة المدى لحماية مصالح مصر الوطنية في بيئة إقليمية مضطربة ومعقدة.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى