العرب وافريقياعاجلمقالات

كيف قاوم السودانيون الحرب بلا سلاح (الجزء الثاني)

النزوح من مأساة إلى فعل تنظيم ذاتي

بقلم: محمد إسماعيل

في المقال الأول من هذه السلسلة التي قررت أن أحكي فيها عن مقاومة السودانيين للحرب من وجهة نظري — والتي ستظل قاصرة لأنني لم أحضر فظائع الحرب في البلد — حاولتُ تفكيك لحظة الانكشاف الكبرى: لحظة غياب الدولة وبقاء الناس وحدهم في مواجهة الحرب. ذلك المقال لم يكن خاتمة، بل مدخلاً ضرورياً لفهم ما تلاه. فهناك إلحاح واضح على الحديث عن النزوح: كيف نزح السودانيون، وكيف نجوا، وكيف حوّلوا واحدة من أقسى تجارب الحرب إلى فعل اجتماعي منظم، بلا مؤسسات، وبلا إدارة، وبلا خرائط. هذه الكتابة تأتي استجابة مباشرة لذلك الطلب.

النزوح في السودان لم يبدأ كحدث إنساني بالمعنى الذي تعرفه المنظمات الدولية. لم يبدأ بمخيمات، ولا بخيام، ولا بنقاط تسجيل، ولا ببطاقات تعريف. بدأ كفعل فوري للبقاء. أناس خرجوا من بيوتهم لأن البقاء صار مستحيلاً، لا لأن جهة ما أرشدتهم إلى طريق آمن. لم تكن هناك وجهة واضحة، ولا “مناطق استقبال”، ولا حتى لغة مشتركة لوصف ما يحدث. كان النزوح حركة بشرية خاماً، غير مصنّفة، تتحرك بسرعة الخوف، وتبتكر حلولها أثناء الحركة.

في معظم الحروب، يتحوّل النازح إلى رقم، ثم إلى ملف، ثم إلى “مستفيد”. في السودان، وعلى الأقل في المراحل الأولى، لم يكن هناك وقت لهذا التحوّل البيروقراطي. الناس نزحوا إلى حيث توجد علاقة: قريب، صديق، زميل قديم، جار من زمن آخر، أو حتى معرفة عابرة. هذا ما يجعل النزوح السوداني مختلفاً جذرياً: لم يكن نزوحاً نحو “مكان”، بل نزوحاً داخل شبكة اجتماعية. لم يتحرك الناس في خطوط مستقيمة، بل في مسارات متعرجة تحكمها الثقة والسمعة والمعرفة السابقة.

البيوت التي فُتحت لم تكن مهيّأة لاستقبال هذا العدد من البشر. الغرف قُسّمت، الصالات تحوّلت إلى أماكن نوم، المطابخ صارت جماعية، والخصوصية أُعيد تعريفها من جديد. الأسر لم تعد وحدات مغلقة، بل تمدّدت وتشابكت، وتحوّلت إلى كتل بشرية تتشارك الطعام والخوف والمسؤولية. لم يكن هذا “كرماً” بالمعنى الأخلاقي السطحي، بل كان شكلاً من أشكال التنظيم الاجتماعي البديل. الناس أدركوا، بحدس جماعي، أن النجاة الفردية وهم، وأن النجاة لا تكون إلا جماعية.

في قلب هذا التنظيم غير المرئي، لعبت النساء دوراً حاسماً، غالباً دون اعتراف أو تسمية. النساء كنّ من أعدن ترتيب البيوت لتستوعب الغرباء، ومن نظّمن الطعام، ومن هدّأن الأطفال، ومن أدَرن التوترات اليومية، ومن حوّلن الفوضى إلى روتين قابل للحياة. هذا العمل لم يُكتب في أي خطة، ولم يظهر في أي تقرير، لكنه كان العمود الفقري للنزوح نفسه. النزوح لم يكن مجرد حركة أجساد، بل إعادة إنتاج يومية للحياة، والنساء كنّ مهندسات هذه العملية.

واحدة من أكثر التحوّلات دلالة في تجربة النزوح السودانية هي تحوّل “الضيف” إلى “مسؤول”. لم يبقَ النازح متلقياً سلبياً للحماية أو العطف. سريعاً، وبحكم الضرورة، صار جزءاً من منظومة العيش: يساهم في الإيجار، وفي الطبخ، وفي الحراسة، وفي رعاية الأطفال، وفي جلب الماء أو الوقود. هذا التحوّل ليس تفصيلاً أخلاقياً، بل مؤشر سياسي واجتماعي مهم. النزوح هنا لم يُنتج علاقة إحسان، بل علاقة اعتماد متبادل. لم يكن هناك “مضيف” قوي و”ضيف” ضعيف، بل شبكة من الضعف المشترك تُدار بالتكافل.

من الخطأ قراءة هذا النموذج بوصفه حلاً مثالياً أو رومانسياً. النزوح كان قاسياً، مُنهكاً، مليئاً بالصدامات والاختناقات والتنازلات المؤلمة. لكن أهميته تكمن في كونه شكلاً من أشكال المقاومة الصامتة للحرب. الحرب تهدف إلى تفكيك المجتمع، إلى تحويل الناس إلى أفراد معزولين، إلى كسر الروابط. ما حدث في النزوح هو العكس: الروابط اشتغلت بأقصى طاقتها. المجتمع، مرة أخرى، رفض أن يتصرّف وفق منطق الحرب.

من هنا يمكن القول إن النزوح في السودان كان شبكياً لا مؤسسياً. لم تُدره جهة واحدة، ولم يخضع لمنطق المخيم أو الإدارة المركزية. هذا ما جعله صعب الفهم بالنسبة للفاعلين الدوليين، الذين يبحثون دائماً عن “نقطة تدخل” واضحة. لكن هذا الغموض ذاته هو ما مكّن الناس من الحركة بسرعة، ومن تجنّب بعض أشكال السيطرة والابتزاز، ومن الحفاظ على قدر من الكرامة والاستقلالية.

في سياق حرب ذات أبعاد خارجية واضحة، حيث تُستخدم المعاناة الإنسانية كورقة ضغط وتفاوض، يصبح هذا الشكل من النزوح فعلاً سياسياً غير معلن. ليس لأنه يرفع شعاراً، بل لأنه يفشل في لعب الدور المتوقع منه. النازحون لم يتحوّلوا إلى جمهور ينتظر المساعدة فقط، بل إلى فاعلين يعيدون تنظيم حياتهم بأدواتهم المحدودة. هذا لا يُعفي أحداً من المسؤولية، ولا يبرّر غياب الدولة أو تقاعس المجتمع الدولي، لكنه يكشف مرة أخرى أن السودانيين لم يكونوا مجرد ضحايا سلبيين لمسار لم يختاروه.

هذه الكتابة هي محاولة أولى لفهم النزوح بوصفه تجربة اجتماعية مقاومة، لا مجرد مأساة إنسانية. وفي المرة القادمة سنقترب من واحدة من أكثر تجليات هذا التنظيم الذاتي وضوحاً: التكايا والمطابخ الشعبية، وكيف تحوّلت من مبادرات بسيطة إلى شبكات حياة كاملة.

وكما قلت في المرة السابقة، أكرّر الدعوة لقرّاء هذه الصفحة: اقترحوا الموضوعات التي ترون أنها تستحق أن تُكتب في هذه السلسلة. هذه ليست سردية مكتملة، بل عمل جماعي مفتوح، نحاول من خلاله أن نعيد للسودانيين حقهم في رواية ما فعلوه بأنفسهم، في زمن أرادت فيه الحرب أن تسلبهم حتى هذا الحق.

زر الذهاب إلى الأعلى