من سيصرخ أولاً… إيران أم أمريكا وإسرائيل؟

بقلم: مصطفى السعيد
في الحروب الكبرى، لا تُحسم المعارك دائماً بالقوة النارية وحدها، بل غالباً بما يُعرف في الاستراتيجية العسكرية بـ “حرب الإرادات”. السؤال الحقيقي ليس فقط من يمتلك السلاح الأقوى، بل من يستطيع الصمود لفترة أطول دون أن ينهار سياسياً أو اقتصادياً أو عسكرياً. وفي المواجهة المتصاعدة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، يبدو أن هذا السؤال أصبح جوهر الصراع.
من الواضح أن الحسابات الأولية لدى الإدارة الأمريكية بقيادة دونالد ترامب لم تسر كما كان متوقعاً. التقدير الأمريكي كان يقوم على فرضية تقليدية: ضربة أولى قوية تُحدث صدمة استراتيجية تدفع الخصم إلى التراجع أو القبول بشروط جديدة. لكن ما حدث على الأرض يوحي بأن إيران لم تتصرف وفق هذا السيناريو.
الأمر ذاته يمكن قوله عن الحكومة الإسرائيلية بقيادة بنيامين نتنياهو. فالرواية التي رُوّجت طويلاً عن تحييد الجبهة اللبنانية تبدو اليوم أقل صلابة، مع عودة التوتر والاشتباكات، ما يعيد فتح جبهة لطالما اعتُبرت الأكثر حساسية في الحسابات الأمنية الإسرائيلية.
الضربات التي استهدفت البنية التقنية والاستخباراتية في بعض القواعد الأمريكية في المنطقة، إن صحت التقارير بشأنها، تكشف أن المواجهة لم تعد تقليدية. فتعطيل أنظمة الاتصالات والمراقبة يعني عملياً إضعاف القدرة على إدارة المعركة نفسها، وليس مجرد إلحاق خسائر مادية أو بشرية.
في المقابل، يبدو أن واشنطن تحاول توسيع دائرة الصراع سياسياً وعسكرياً. هناك حديث عن ضغوط على الحلفاء الأوروبيين للانخراط بشكل أكبر، ومحاولات لدفع بعض الدول الإقليمية إلى لعب أدوار أكثر مباشرة. مثل هذه الخطوات تعكس إدراكاً بأن المواجهة مع إيران لا يمكن حسمها بسهولة في إطار ثنائي.
لكن إيران بدورها تلعب لعبة مختلفة. فبدلاً من استنزاف كل قدراتها منذ البداية، تبدو وكأنها تعتمد استراتيجية الصبر الطويل: استخدام تدريجي للقدرات العسكرية، وتعبئة داخلية عبر مؤسساتها العسكرية والشعبية، ومحاولة امتصاص الضربات الأولى دون الانجرار إلى معركة شاملة بكل أوراقها.
هذا الأسلوب ليس جديداً في العقيدة الإيرانية. فالتجربة الممتدة منذ الثورة عام 1979 جعلت طهران تراهن دائماً على أن الوقت قد يكون سلاحاً بحد ذاته. كلما طال أمد المواجهة، زادت الضغوط على خصومها، سواء بسبب كلفة الحرب أو بسبب القلق من اتساعها إقليمياً.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى: الولايات المتحدة وإسرائيل تبحثان عن نتيجة سريعة وحاسمة، بينما يبدو أن إيران تراهن على معركة طويلة الأمد.
لهذا السبب، قد لا يكون السؤال الحقيقي من يملك القوة الأكبر، بل من يستطيع تحمّل الحرب أكثر. فالحروب الحديثة لا تُقاس فقط بعدد الصواريخ والطائرات، بل بقدرة المجتمعات والدول على تحمّل كلفة الصراع.
وفي النهاية، قد لا يصرخ الطرف الذي يتلقى الضربات الأقوى، بل الطرف الذي ينفد صبره أولاً.
