مخطط باراغواي: “التهجير الصامت” لسكان غزة .. في “حقيبة الموساد”

كتب: هانى الكنيسى
“أريدهم أن يرحلوا جميعاً، حتى لو ذهبوا إلى القمر” .. هذه الصيحة التي أطلقها ‘ليفي إشكول’ رئيس وزراء إسرائيل (بين 1963- 1969) لم تكن سوى تعبير “علني” عن أن أحلام يقظة “العقل الباطن” الصهيوني في التخلص من السكان الأصليين (الفلسطينيين) ومشروعات “التهجير”، ليست وليدة اليوم أو أمس أو حتى 7 أكتوبر 2023.
سلسلة البودكاست الوثائقية “فلسطينيون في باراغواي”، من إنتاج منصة Uncovering Roots، تزيح الستار عن تفاصيل الخطة السرية التي نفذها جهاز الموساد الإسرائيلي في أعقاب حرب 1967، للتخلص من سكان غزة الذين لم يتجاوز عددهم آنذاك 400 ألف نسمة، عبر تهجيرهم على دفعات، تحت غطاء “برنامج عمل” في الخارج. إذ تكشف وثيقة أرشيفية من محضر اجتماع لجنة حكومية إسرائيلية في مايو 1969 عن موافقة الحكومة على مقترح الموساد لتهجير 60 ألف فلسطيني من القطاع الخاضع للاحتلال (بعد انتزاعه من الإدارة المصرية نتيجة النكسة)، مقابل دفع 33 دولاراً للحكومة الباراغوانية عن كل رأس (أي مُرحّل)، مع دفعة مقدمة قدرها 350 ألف دولار لأول 10 آلاف شخص.
في التاسع من سبتمبر عام 1969، استقل عشرون شاباً فلسطينياً من قطاع غزة طائرة من مطار في وسط إسرائيل، محملين بوعود فرص عمل ذهبية في البرازيل ورواتب شهرية تصل إلى 3000 دولار. لكن ما أن وصلوا إلى ساو باولو، حتى نُقلوا تحت حراسة “مسلحة” إلى طائرة أخرى أقلّتهم إلى أسونسيون عاصمة باراغواي (التي كانت آنذاك تحت حكم الديكتاتور ‘ألفريدو ستروسنر’) حيث تُركوا بلا عمل، ولا مال، ولا مأوى، ولا حتى وسيلة للعودة.

تلك الرحلة كانت مجرد الفصل الأول من مؤامرة التهجير المعروفة رمزيًا باسم “مخطط باراغواي”، التي حاكها ‘الموساد’ بهدف تغيير ديموغرافية غزة، والتي تناولتها سلسلة البودكاست الجديدة للمخرج ‘مكسيم ساكيان’ الذي اعتمد على أبحاث الأكاديمية هديل عسالي (جامعة كولومبيا) والمؤرخ جون توفيق كرم (جامعة إلينوي)، وعلى شهادات اثنين من الضحايا؛ محمود يوسف الذي توفي في عمّان عام 2021، وطلال الدماسي الذي لا يزال يعيش في باراغواي، وكلاهما نشأ في مخيم المغازي بغزة بعد نكبة 1948.
في التفاصيل، استُخدمت وكالة سفر تدعى “باترا” (لا تزال تعمل في تل أبيب حتى اليوم) كواجهة لاستدراج الغزيين. ويروي الدماسي كيف وُضع أمام خيارين: “الرحيل أو طرد عائلتك بأكملها”. أما رفيق رحلته محمود يوسف، الذي سجلت ابنة أخيه شهادته قبل وفاته في عمان عام 2021، فوجد نفسه مع رفاقه في أسونسيون بلا مال أو لغة تواصل، بعد أن أُجبروا على “توقيع أوراق هوية بمهن وهمية”.
وفي 4 مايو 1970، اقتحم طلال الدماسي وخالد قصاب السفارة الإسرائيلية في عاصمة باراغواي لمواجهة السفير ‘بنيامين فايزر فارون’، وانتهى الاشتباك بإصابة السفير ومقتل سكرتيرته ‘إدنا بير’. (يزعم زوجها ‘موشيه’، أن عميلا للموساد زاره بعد وفاتها وأمره بعدم التحدث عن الأمر لمدة 30 عامًا على الأقل).
تصدرت الحادثة عناوين الصحف الغربية، وصُورت على أنها “محاولة اغتيال دبرتها منظمة التحرير الفلسطينية”. وعلى مدار محاكمة علنية استمرت عامين، استخدم كساب والدماسي قاعة المحكمة في فضح المخطط الإسرائيلي أمام العالم، وهو ما أدى عملياً إلى إلغاء المشروع، قبل أن يُحكم عليهما بالسجن 13 عامًا (قضيا منها 8 أعوام فقط).

وفي شهادته بالبودكاست، يذكر الدماسي أن الموساد حاول اغتياله مرات عدة داخل السجن (بما في ذلك باستخدام كعكة مسمومة)، ما دفعه إلى الالتحاق ببرنامج “حماية الشهود” لعشر سنوات تقريبًا بعد إطلاق سراحه، لكنه يقول متفاخرًا: “أنقذتُ 60 ألف فلسطيني.. لقد بقوا في غزة، في وطننا”.
وبعد مرور نحو 60 عاماً، تعود المخططات القديمة في صورة “مكاتب الهجرة الطوعية” وشركات السفر الوهمية مثل “المجد أوروبا” التي كشف تحقيق لصحيفة ‘هآرتس’ ووكالة ‘أسوشيتد برس’ أنها “واجهة” لجماعة ‘عد كان’ اليمينية اليهودية المتطرفة، وأنها تعمل بترخيص “رسمي” من حكومة النتنياهو. وهي ذاتها الشركة التي نظمت رحلات الطيران “الغامضة” في نوفمبر 2025، التي نقلت 153 فلسطينياً (وعدتهم بالعمل في أوروبا وبالعلاج مقابل رسوم تراوحت بين 1000 و3000 دولار للشخص الواحد) إلى جنوب إفريقيا عبر مطار ‘رامون’، دون تنسيق مسبق مع جوهانسبرغ وبدون ختم خروج على جوازات السفر يسمح لهم بالعودة.
المؤكد أن الهدف “الصهيوني” لم يتغير منذ عهد ‘إشكول’، وهذا ما تترجمه اليوم احتفالات وزير الأمن القومي ‘بن غفير’ وزملائه في الكنيست بإقرار قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين (الذي سيعني عمليًا قتل أي من سكان غزة دون محاكمة، بتهمة المقاومة)، وتصريحات وزير المالية ‘سموتريتش’ حول ضرورة تهجير 5000 فلسطيني يومياً، وعمليات تحويل القطاع المدمّر إلى مكان “غير صالح للحياة” كما يطالب وزراء النتنياهو علنًا (أحدث وسائل تنفيذ ذلك كانت بتسميم مياه غزة عبر تحويل مياه الصرف الصحي من المستوطنات إلى سواحل غزة وآبارها الجوفية كما يظهر في تقرير للتلفزيون التركي أمس).
وفي ختام شهادته المصوّرة، يروي الدماسي -المحروم إلى يومنا هذا من العودة إلى غزة- مشاهد رؤيا تتكرر في أحلام نومه: “أرى نفسي واقفاً على جبل في غزة؛ على يساره حيوانات ترعى العشب، وعلى اليمين يرفرف العلم الفلسطيني.. أرى القمر والشمس معاً”، ثم يضيف مبتسمًا “تفسيره أن غزة ستعود وسيعود إليها السلام”.
